موسوعة أعلام الأندلس والمغرب
ترجمة
عبد الله بن يحيى بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عمير، أبو


الكتاب
العنوان  :  الذخيرة في محاسن أهـل الجزيرة،ابن بسام تــ إحسان عباس:ط بيروت 1979،ج1

الترجمة
الاسم  :  عبد الله بن يحيى بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عمير، أبو
الكنية  :  أبو محمد
اللقب  : 
عرقه  : 
الترجمة  :  0
النص  :  فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي محمد عبد المجيد بن عبدون (3) ، وسياقه فصول من غرائب نثره ونظمه. وأبو محمد هذا في وقتنا سر الدهر المكتوم، وشرف فهر الحديث والقديم، لسان صدقها في الآخرين، وقمر أفقها ملأ الصدور والعيون، وديوان علمها المذال والمصون، ومسترق كلمها المنثور والموزون، أعجوبة الليالي، وذروة المعالي، ذو لسان يفري ظبة السيف، وصدر يسع رحلة الشتاء والصف، أفصح من صمت ونطق، وأجمح من صلى وسبق، عول من ملوك الطوائف على رئيس بلده المتوكل، فعليه نثر دره الثمين، وباسمه حبر وشيه المصون، وقد رحل إلى المعتمد فكأنه لم يجد قبولا، ولا وافق منه رأيا جميلا، وقد رحل إلى المعتمد فكأنه لم يجد قبولا، ولا وافق منه رأيا جميلا، وأراه إنما أتي من ازورار جانبه، وبعد مطالبه، فلما صمت ذكر ملوك الطوائف بالأندلس، طوى الشعر على غره (1) ، وبرئ من حلوه ومره، إلا نفثة مصدور، أو التفاتة مذعور، وهو اليوم ببلد يابرة يرتشف (2) فضل ثماده، ويأكل من بقية زاده؛ وقد أثبت من نظمه الرقيقة حواشيه، الرائقة أعجازه وهوادبه، ونثره الغضة مجانيه، المبيضة مجاليه، ما يشهد له بالفضل، شهادة البرهان على الشكل. نسخة (1) له خاطب بها الوزير أبا (2) القاسم بن الجد يخطب فيها وده، ويستجلب ما عنده، قال (3) فيها: يا راية مجد رفعت، فإن تلقيتها باليمين، وأعطيتها الثناء، الثمين، شددت عليها يد الضنين، وشريعة فضل على مائها (4) أحلق وأحوم، وبصفائها أجد (5) وأهيم، وفي ابتغائها أقعد وأقوم، فلو وصل رشائي بباع، من رجع جواب واجتماع، لبردت غلة ذلك الاشتياق والالتياع، وإن تعذر لقاء، فقد انتشر ثناء، امتلأت الأرض منه السماء، ووصف عز الأوصاف وغلبها، وهز الأعطاف وجذبها، وذكر ملأ الآذان حليا، والآناف ريا، والأفواه أريا، ونبل جلت مطالعه دياجي الأوهام، وصقلت (6) مواقعه صوادي الأفهام، ومجد رد الليالي الدهم زهرا، والمساعي البهم غرا، فوددت أن أعار جناحي طائر، فأكون لكعبة ذلك الجلال أول زائر، فأقرن هناك حجة بعمرة، وأفوز من عمادي - وصل الله علوه - بنظرة، توسع عيني قرة، ووجهي نضرة، وأعشو إلى ذلك الضياء، وأرى محلي من تلك السماء؛ ولله دهر أطلعك أفقه، ووقت وسعك طلقه، ما أكرم طبيعته، وأضخم دسيعته، وأشرف في الأوقات خيمه، وأعبق في الآناف شميمه، وأرق على الأنفاس نسيمه! ! وبحقك أقسم، وألتزم من ذلك ما ألتزم، لقد أظهر بك شرفه وبين، وأخذ منك زخرفه وازين؛ وجعلك غرة بهيمه، وغارة (1) [126 ب] مليمه، والحجة على خصومه (2) ، وأبدى سرا طالما كتمه وأخفاه، وشرح معنى شد ما أبهمه وعماه، فلو كنت في الأزمان السالفة لوددت أن يتقدم دهري فألقاك، أو في الأوقات المستانفة لحمدت أن يتأخر عمري فأراك، فكيف وقد ضمني معك عصر، وجمعني وإياك غهر، وأنا أخطب إلى عمادي - أدام الله عزته - مودته عقيلة، وأجعل رحمي الأدب والنسب وسيلة، وأبذل من تحلية حمدي وشكري مهرا، وأبني لها بين سحري ونحري قصرا، وأسدل عليها من الإشاعة والإذاعة سترا، وأحليها (3) من مشدود موائق ومعاقد، بمسرود مخانق وقلائد؛ والله جل وعلا يعينني (4) على فرضه أؤديه، وقرضه أقضيه، ومن (5) جزيل تحيتي، على سيدي الأعظم وإمامي، ما يفعم رياه الخافقين، ويقر مرآه كل عين، ينقاد من غير قائد، وينساق من غير سائق، إذا انتهت أولاه، عادت أخراه، وإذا صدقت تباشيره، برقت أساريره، يحيي مغناه، عند (6) سروبه وسراه. فراجعه الفقيه (7) بما نسخته: يا روضة أدب غذيت برهم الفهم، وسقيت بديم حسن الشيم، ما أدمثت رباك، وأطيب شذاك، وأزكى قرارك، وأذكى عرارك! لقد شرقت بأزهارك (1) زهر النجوم، ولبست من الكمد والحسد زي الوجوم، وبطل لنفحات (2) شذاك ورياك أرج (3) العبير، وتعطل لما وشت يداك واكتسى ثراك نسيج الجبير، لله در (4) تحفة أهديت (5) من تحفك! ما أنظر جناها، وأزهر سناها، وأبهر لفظها ومعناها! ! لقد ضمنت من بدائع الكلم فقرا شوارد، وقلدت من نواصع الحكم دررا فرائد، وخلعت (6) علي خلعة نبل أو كسي مثلها أويس (7) لاهتز طربا، أو سلي بشبهها قيس لعاد نبع وجده غربا، لا جرم أنها حلاك، تبرعت بها علاك، وصفاتك، تجافت عنها مصافاتك، فيا لها منة لا يكافئها ثمن، ولا يسمح بمثلها زمن، ومنحة تتضاءل لها بيض النعم، وتتقاصر عنها حمر النعم. وما زلت أستنشق من عرف أنبائك، ما يرغب في اقتنائك، وأتحقق من قلة أندادك، ما يبعث على خطبة ودادك، لا سيما وقد جمعتنا عناصر، وضمتنا من سهم الأدب والنسب أواصر، لكن تحاميت المفاتحة هيبة لبراعة إحسانك، وبلاغة يدك ولسانك، ومن ذا ينازعك رتبة البيان، ولو سحب ذيول سحبان، أو نطق بلسان حسان؛ وإن كانت للكلام إمارة فأنت فارس منابرها، وطاعن محابرها، ومقلد (1) علمها ولوائها، ومذلل صعرها والتوائها، ولئن كنت - أعزك الله - من غرائب المغرب، لقد زهيت لك المشارق، وحليت بجواهرك ونوادرك المهارق، ولما صح لك فضل التقدم إلى صلة الأسباب، ومفاتحة هذا الباب، تعين الجواب (2) ، وإن أنبط من حسي بكي، وقلب غير ذكي، وناهيك من خجل من يقيس الصفر بالذهب، ويعرض الخمود للهب، فتكلفت المراجعة اضطرارا، واستشعرت اعترافا بفضلك (3) وإقرارا، وأنت بسروك تصفح عن هناتها؛ وتقيم أود قناتها، ولولا حق الاقتضاء، والثقة بكرم الإخاء، لأحجمت ذعرا، وقدمت عذرا. وأما المودة التي خطبت بفضلك بكرها، واستوجبت حمدها وشكرها، فقد زففتها إليك مشرقة الجبين، بنور الحق المبين، ضاحكة الترائب، على حسن (4) الضرائب، تتأود في حلل الثناء (5) ، تأود الكاعب الحسناء، وتحمل من نطف الصفاء، ما يزري على الديمة الوطفاء، فإن وافقت لديك وجها خصيبا، واستحقت من رضاك وقبولك نصيبا، فقد فاز قدحها، ووري قدحها، ولم يخب سعيها وكدحها. وظني أنها ستسعد بارتضائك، وتهتز في أيد انتضائك، وتأنس بحوارك، وتسكن إلى جوارك، [127 أ] والله تعالى يبقيك، مرغوبا فيك، وأقرأ على سيدي سلاما دائم الاتصال، عطر البكر والآصال، يتكرر تكرر الأنفاس، ويخضر دائما اخضرار الآس. وكتب أيضاً أبو محمد (1) إليه برقعة قال فيها: يا أعظم من لو سريت بأنواره لاهتديت، وأفخم من لو اقتديت بآثاره لاكتفيت، ومن أبقاه الله لفخر آبائه يفضله إلا من بنيه، ولستر إغضائه يسدله على مستحقيه، ولعذر أوليائه يقبله على ما فيه، كتبت عن قريحة خمد (2) لهيبها، ونحيزة ركد هبوبها، وذهن امحت أضواؤه، وطبع أخوت أنواؤه، وجنان فل ظبته (3) الكسل، ولسان عقد عذبته الخجل، ندبته إلى الاحتفال فانقطع، وبعثته على الاسترسال فامتنع، وقال: في كل حين تعرضني على العيون، بوجه مجدور، بكل نجه (4) جدير، فقلت: لا عليك، ولتشب نفسك إليك، العذر إن شاء الله بين يديك؛ حامل الرقعة إلى عمادي - وليته لم يحملها إليه، ولم يطلعها عليه (5) ، ولم يضعها بين الكريمتين (6) يديه - حفزني أشد حفز، واختطفها (7) من يدي اختطاف الذئب دامية العنز، ومنعني من النظر فيها، وتصفح ألفاظها ومعانيها، فأسقطت لفظتين، كانتا بين سطرين، فاتفق بذلك نوع من الإغراب، لم يقع في باب من الإعراب، ولا سمع من العرب ولا من الأعراب، ولم يقع في حساب، فكيف في كتب - ! ولئن وما أولاه بالتعثير، وغير كلمي وما أجدره بالتغيير، ما بهر من جلالك، وتعين من إجلاك، فمن رام الصعود إلى السماء زل، أو المكاثرة بالهباء قل، أو المظاهرة على الرؤساء ذل؛ وبين يدي نجواي صدقة على الكتاب أقدامها، وكلمة من الصواب أغتنمها: من طمع في مجاراتك قطف (1) ، ولو ركب البرق، ومن دفع إلى مباراتك تخلف، ولو سبق الخلق؛ وإن وصلت تلك الرقعة تتعثر ألفاظها في معانيها، وتتبرأ من تواليها، ووافتك ترسف من مهابتك في عقال، وتقف من سيادتك بين انقباض واسترسال، فلك - أدام الله عزك - شرف الاهتبال وكرم الإجمال، في إرخاء ستر وأسدال سجف، على ما فيها (2) من جفاء بشر وإخلال حذف؛ فقبح الله العجلة فما أسوأ آثارها، وأكثر عثارها وأكبر شنارها، وأوحش غلطها، وأفحش سقطها! وقديما تحامتها الحكماء، وتبادرتها العقلاء، من ركبها لم ينج - لو أقيل - من عثار، ومن صحبها لم يخل - لو قبل - من اعتذار، والله جل وعلا يعلي قدر عمادي على الأقدار، ويجعل إليه وفي يديه مقاوم الليل والنهار، ويديم ستر إغضائه، على أودائه وأوليائه، ويزيل وحشة أرضه بتأنيس سمائه. وكتب (3) إليه أيضاً برقعة ثانية يقول فيها: يا حامل يراعي الأعظم، ومعول انقطاعي الأقوم، ومعقل امتناعي الأعصم، ومن لا زال جنابه للأمطار رضيا، وبابه للأوطار شفيعا، ترشح فيه نعم الأيام، وتقسم أرزاق الأنام، سلام الله وروح رحماه، ونفح سقياه، عليك من روضة نجد، وزهرة حسن لا زهرة حزن، ما أغدق صوبها، وأغزر شربها، وأرسخ وهاد مطاويها الشريفة، وأشمخ نجاد مباديها المنيفة، وأشهر بغرر المجد وحجولة بطون مجانيها، وأغمر بدرر الرفد وسيوله ظهور روانيها، وأصفق غيوم كرم تسقيها، وأرق نسيم شيم يجري فيها، وآنق تسبيح لسانها، وأعبق رائح أنفاسها، وأخلص شذاها إلى الأرواح، وأعرض رياها على الأفواح، وأضحك ثغور أقحوانها ووارف نورها، على رقص قدود أغصانها وغناء طيرها، لقد حيا بها نفوسنا فشفاها، وكساها من حر أزاهر الكرم ما كساها، وحلاها من درر نوادر الحكم بما حلاها، وأجرى هوامي الخير والحمد من أصولها وفروعها، وأبدى مطاوي النور من كمونها وبروعها، فهام رعانها محلاة الأكاليل بمحاسن من المفاخر العظام، وأجسام غيظانها موشاة السرابيل بتزايين من المآثر الجسام، وأبقى من أرواحها، في رؤوس أدواحها، ألسنا تثني عليك بالجميل، ودموع أندائها تخلق في وجوه مائها نوالك بالقبول، فلا لحق أزهار خلالك ذبول، ولا طرق أنوار خصالك أفول، ما مشى بالقسيم، بريد النسيم، بيم الأزاهر والخياشيم. يا مرادي الحفي، ومن أعلى الله أمره السني، وصلني كتاب كريم، طلعت علي منه نجوم، أستغفر الله تعالى بل رجوم، هوت من أساطيري على شياطين فأحرقتها بنور الحق المبين، ومحقتها محق ضياء اليقين، ظلام الشك الظنين، وتلقفتها تلقف عصا موسى حبال الملقين، وقبل نظري إليه وفيه، قبلت يد موشيه ومهديه، وخفت أن أمحو سطوره تقبيلا فوضعته لرأسي إكليلا، وصرت به على الدهر أميرا، وكيف لا و [قد] ملأ عيني نورا وقلبي سرورا، ويدي مسكا وكافورا، وداخلت نفسي منه قوة لا أعرفها، فكيف أصفها، ولا أدريها، فكيف أحكيها - وهي - أظن - ما يداخل المضل إذا أنشد فوجد، والمقل إذا استعدى على الدهر فأعدي بنغبة الحيا، فقال: يا رفاه، فرحا بسقياه، وأنا أقول ذلك ألفا، وأضع خدا وأرفع كفا، فرحا بما أولى عمادي - أعلى الله قدره - من مسار متناصرة، ومبار متظاهرة، لا ينبري إليها شكر، ولا يحتوي عليها حضر، ولولا رجائي - بلقائه، واعتزائي إلى ولائه، ما حاسنت البقيع المزهر بشجرة، ولا ماتت الربيع المخضر بقطرة، وأرجو أن يسمح بالعفو، ويصفح عن الهفو، ويلقي عليه ستر معروفه، ويغطيه بسجف من سجوفه، والله تعالى يقيه ويبقيه، مشكورا أياديه ومساعيه، قريرة عيون أودائه وأوليائه فيه؛ ومن سلامي على عمادي المعظم، وإمامي المقدم، ما لا يخلف مكانه قطر، ولا ينوب منابه زهر، ولا يقوم مقامه عنبر، ولا يشق قتامه مسك أذفر، يلوح بلغة لكل رامق، ويفوح عبقه لكل ناشق، ما أديل لشارق، وسارب بطارق، والسلام. فكان من جواب الوزير الفقيه أبي القاسم له على ذلك ما نسخته: تمهدت لك يا عمادي أكناف الهمم، ودرت عليم أخلاف النعم، وألقت إليك مكنون ضمائرها ومصون جواهرها أصداف الحكم، فما أتم فضائلك وشمائلك، وألم (1) بأنوار المحاسن خمائلك، وأسمح بكل جوهرة ثمينة ولؤلؤة نفيسة بحارك، وأنفح الآداب بل بأرواح الشباب أصائلك وأسحارك! ! وأكرم بخاطبين لك تسابقا إلي وتلاحقا لدي، كما لحق المصلي السابق، وتطلع الضحى غب الشارق، وتدفق الحيا إثر البارق، أو كما شفع المولي الطوق بالسوار، وجمع العروس بين بهجة الحلي ونفح الصوار (1) ، وأنجد البطل (2) المبارز المغوار، فما طويت للمتقدم مطارف، حتى نشرت من المتأخر رفارف، وما انحسرت عن محاسن الأول معاجر، حتى سحرت من براقع الآخر محاجر، وقد كان السابق منهما (3) ما يملأ بهرا مدارج نفسي، ويملك دهرا أعنة خرسي، ويوسع لساني وجناني إفحاما، ويوجب لدواعي الانقطاع بين يدي ازدحاما، فكم تقلد من درة فكر لفظها بحرك العذب الزلال، ونفث فيها سحرك الحلو الحلال، فلم تقنع لغامر [127 أ] بحره، وباهر سحره، حتى شددت عرى أواخيه، بقوى أخيه، وأمددت مذانب سربه، بتلاع تربه؛ فلئن كان الأول قد استعار من الجوزاء مرطا، لقد استمنح الآخر من الثريا قرطا، ولئن ورد السابق من موارد النثرة نغبا، لقد شرب اللاحق من ماء المجرة ثغبا، فهلا كففت استنان خيلك، وأمسكت قليلا عنان سيلك، وثنيت من غرب غرائبك، وجريت على سجاحة ضرائبك. وقد كان من حق الإخاء أن لا تهب من عواصفك على نسيم عليل، وتجهز كتائبك إلى عدد قليل، وحد فليل، وبدون هذا كنت أواليك مبايعا، وأعطيك صفقة يدي بالعجز طائعا، فلست ممن يعارض قوة البرهان بضعف الإقناع، ويشتبه عليه فرق ما بين الإمكان والامتناع، وإني لأعلم ممر سهمي فأقف وأنصرف، ومنتهى علمي فأنصف وأعترف؛ وأما العذر الذي بسطته في معنى الوهم، فقد كنت غنيا عن مد أوضاحه، وحريا باطراحه لاتضاحه، وهيهات أن يلتبس عليك الغريب، فكيف القريب - ! أو يشتبه لديك الخفي، فكيف الجلي - ! وما حسبته إلا تميمة في صدر الكتاب، تصرف عنك أعين الكتاب. وبعد - باعدتك الأسواء - فإن رسمي في صناعة الكتابة قد دثر، ونظمي في ضبط معانيها قد انتثر، ولم يبق عندي إلا أثر خراب، أو لمع سراب، فإذا امتريت خلفها در بعسر، وعلى قسر، وتحلب رسله بضجر، كأنما يتفجر من حجر. وهي خطة مدارها على الإقبال، وفراغ البال، وزمامها في يدي الشباب، مع توكد الأسباب؛ وأنا - أعزك الله - قد عطلت صهوة جوادها، ونزلت عن ذروة أعوادها، فلا ترهقني فيها عسرا، ولا تحملني من مناهضتك إصرا، وتوخ بفضلك معي جانب الترفيه والتخفيف، وتقبل مني عفو اليسير اللطيف، وأقرأ عليك من سلامي ما يربي على القطر، ويزري بعنبر الشجر، ويبقى ميسمه في صفحة البدر. قال ابن بسام: قول أبي القاسم: " وما حسبته إلا تميمة في صدر الكتاب " احتذى في ذلك حذو أبي المغيرة بن حزم، في فصل خاطب به ابن عمه الفقيه أبا محمد بن حزم في حرف همزه، مما لا يهمز، فقال له (1) : ومن أين نفذ صبرك حتى همزته همز عامر بن الطفي، قرنه في سواد الليل، وما أظنك جعلتها إلا تميمة، لتلك القطعة الكريمة، وامتثالا لقول القائل: ما كان أحوج ذا الكمال إلى ... عيب يوقيه من العين فصول من ترسيل أبي محمد فصل له من رقعة عتاب: سلام على من نظر بقلبه لا بعينه، وحكم بيقينه لا بظنه، ونطق بعقله لا بهواه، وأخذ من دنياه لأخراه، ولم يستفزه قال ولا قيل، ولم تهزه تلك الأباطيل. وبلغني قول من قضى علي بالظنة، وحكم بالشبهة، وللمقولات طرق لا يتعداها متجاوز إلا نسب زيغها إليه، لا سيما في ضربة توجب حدا، وتضرع خدا، وتفل من فاضل حدا، لم يطلع مشيعها مني على ريبة، ولا وقف مذيعها على حقيقة، بل افتراء من مفتر، وادعاء من مدع، في تلك التي لا أسميها، فإني طلقتها قبل الدخول ثلاثا، " ونقضت حبل وصالها أنكاثا " ، قبل هذا والزمان مساعد، والسلطان مهاود، فكيف بها الآن، وقد علت الإنسان أبهة [الكبير] (1) ووخطته (2) واعظة القتير، ورد ما استعار من الشباب إلى المعير، وهجر كل الهجر من ذاقها شميما، ورفض كل الرفض من لم يكن إلا على الحديث نديما (1) . وأقسم وأعرف، بما أقسم، وألتزم من ذلك ما ألتزم، لقد تركتها خوفا للمعاد، لا رياء للعباد، إذ الصيانة أذكى عتاد، فكيف وأنا تحت نعم من الله ضافية، ونوافل متوالية، وفواضل رائحة وغادية - ! فلا تظن أن تنصلي لمعذرة أريد [128 أ] قبولها، وأحب تبليغها وتوصيلها، لا والذي صير العقل لصاحبه خصما، وجعل بعض الظن إثما، ولا قصدت من قصدت إلا تطوعا، ولا زرت من زرت إلا تبرعا، ولقد أذهب بنفسي عن كل طمع، وأرغب بها عن كل حرص وجشع. وله من أخرى: كتبت والعهد يرف ماؤه، ويشف ضياؤه، وتتألق غرته، وتشرق أسرته، والود كما تدريه، لا مزيد على ما تعلم فيه، وإن كانت القلوب تتناجى على البعاد، بألسن الوداد (2) ، وتتراءى على الفراق، بأعين الوفاق، فربما أحوجت دواعي الأيام، إلى المفاوضة (3) بالأقلام، لضرورة لا بد من الإفصاح عنها، والخروج شفاها (4) منها. وغاب فلان - أعزه الله - وأنت تواليه وتناصره، وتؤاخيه (5) وتظافره، فلك الفضل في إيصال أحرفي، والعذر على (6) تخلفي، فكان يجب أن أزوره ولو على قدمي، ولا أخاطبه إلا بفمي لا بقلمي، لكن هي الأيام وعواديها، والأقدار ومجاريها، ولو أعطيت أعنة الاختيار، لطرت إلى جنابه كل مطار، ولكنت في بابه أوثق مسمار، وإن كانت مهلة انحشرت في زمرته، وتشرفت بخدمته. وله من أخرى: لو أن جهتي غضة على مطاويها، لم تؤثر أيدي الغير فيها، ولا تحيفتها الفتن بحوادثها، ولا نظرت إليها المحن بكوارثها، لوجب علي المبادرة إلى الهجرة، والتحول إلى الحضرة، التي الفقيه الأجل القاضي سيد الأمة فيها، وبيديه أزمة أوامرها ونواهيها، ولحق على مثلي الانحياز إلى فئته، والانحشار في زمرته، والانحياش إلى جنته، ولكان تنقلي لذراه، لتقيل بعض سجاياه، على حسب قدرتي، ومبلغ منتي، ومنتهى قوتي، ولعذت بعلاه من أن أرجع أعرابيا بعد الهجرة، وبدويا بعد لزوم الحضرة، فكيف أنا آخذ من اجتبائه بأوفر قسم، وأضرب في ولائه بأوفر سهم - ! وجهتي خاوية على عروشها، خلية من أنيسها، فبينها وبين النصارى، أقصر من إبهام الحبارى، هي مجر عواليهم، ومجرى مذاكيهم، ومورد صاديهم، وموقد صاليهم، ومخفق أعلامهم، ودرية سهامهم (1) ، ومسرح جيادهم، ومركز صعادهم: الخروج عنها غنيمة، والسلامة فيها هضيمة، ومن تفرد بالجلالة تفرد عمادنا، وتوحد بالسيادة توحد مصادنا، استجنى مؤمله من الليالي والأيام، ثمرة بسوقه على الأنام، ولم يزل يستثني هبة تلك المخايل الراعدة البارقة، ويقتضي عدة تلك الشمائل الصادقة. وها أنا بين يدي اختباره، فليجد في اختياره (2) ، فإن رأى موضعاً لجميل رأيه (1) ، وإن ألفاني مضطلعاً بأعباء ولايه صمم، ولا رغبة إلا فيما يزلف لديه ويقرب منه، دافع الله للمجد والسرو عنه: وما أسفي إلا على فوت رتبةٍ ... عليها مضى قومي ولم أك تاليا وأنت على رفعي ووضعي حجة ... فكن لي على أولاهما بك جاريا وله من أخرى: كاتبي عن عهد طال زمانه، واستطال سلطانه، ووقت لا يحرزه حساب، ولا يحصره كتاب، ولا يحويه ولا يجمعه، ولا يحصيه عد (2) ولا يسعه، وحالت بيننا في الأكثر أقاليم، لا يقطعها الإيجاف ولا الرسيم، ولا تهتدي في طرقها النجوم، لا أقول: مجاهل ومعالم، بل أقلايم وعوالم، لا يفهم الحداث فيها إلا التراجم (3) ، ولا تقطعها الجياد بشدها، ولا الركاب بوخدها، فهنيئاً للحضرة وجميع أهل الملة حضورك، وفي مقام (4) المجد مقامك الميمون ومسيرك، ولولا آلام تناوبت، وأسقام تعاقبت، لتلقيت أوبتك السعيدة بقدمي، ألا بمدادي وقلمي، والله يملي الإسلام عمرك، ويحمل عنا - معشر أوليائك - شكرك. ما أخرجته من شعره الرائع، الكثير البدائع له من قصيدة في المتوكل (1) : [128ب] وافاك من فلق الصباح تبسم ... وانجاب من غسق الظلام تجهم والليل (2) ينعى بالأذان وقد شدا ... بالفجر طير البانة المترنم ودموع طل الليل تخق أعيناً ... يرنو بها من ماء دجلة أرقم يا صاحبي بين الصراة ودجلة ... ودعا العلاقة مسعد ومتيم هل في لحاظك إنما هي عطفة ... زهر على خضر الربى أو أنجم بيض كما ضحكت حواشي روضة ... وشى السماك ملاءها والمرزم ومنها: خبطت بنا ورق الظلام سوابح ... ملء النواظر سيرهن توهم فإذا سرت فالليل منهم أبيض ... وإذا غدت فالصبح منها (3) أدهم بيني وبين الدهر يوم مثله ... والبيض تشهد والصوارم تحكم ومن المشاهد كالشهود سوامع ... ومن الأسنة ألسن تتكلم وهذا من الكلام الذي لا يجهل مناره، ولا يشق غباره. ومنها: سامت لساني فيك يا ابن محمد ... مقة إذا كتم الهوى لا تكتم ومحبة موروثة مكسوبة ... بدئ الزمان بها وعنها يختم وإليك من بنت الضمير حديقةً ... غناء تنجد بالرواة (1) وتتهم طبقت آفاق الكلام فلم أدع ... زهراً يرف ولا جماناً ينظم وحدوت من غرر البديع بأينقٍ ... أنا خلفها بادي العروق محرم وتركت أرض الغرب وهي كأنما ... بي عالج أو ضارج أو زمزم ورحمت في الآداب كل مسفسفٍ ... يثغو إذا هدر الفنيق المقرم والفهم قد غارت نجوم سمائه ... والعلم وحي والطروس تترجم لله درك هل لمجدك غاية ... إلا وأنت بها معنى مغرم وعلاك لي ردء وجودك في يدي ... ماضٍ كرأيك في الخطوب مصمم هزتك أرواح السماحة بانةً ... ومن الرجاحة في حماك يلملم وتعلمت منك الغمامة شيمةً ... تهمي وفيها للبروق تبسم قوله: " من كل هفهاف العنان " ... البيت، أخذه من قول بشار، حيث يقول (2) : ثم انثنت كالنفس المرتد ... وقوله: " وإذا سرت فالليل منهم أبيض " ، من قول محمد بن هانئ قد طلعوا بالشهب صبحهم فلو (1) ... عقدوا نواصبها أعادوا الغيهبا وألم بعض ألمام، بقول أبي تمام (2) : كظلمة (3) من دخان في ضحى شحب (4) ... ولأبي محمد بن قصيدة أولها: لمن أينق تأكل الأرض وخدا ... تريني العوالي إلى الغرب تحدى من قصيدته هذه بيت يستظرف فيما وصف من طعنة غلا في سعتها حتى أدخل عليها الفيل، [129أ] وأراق من دمها ما يربي على النيل، فقال: له طعنة يدخل الفيل منها ... إذا الطعن مزقت الزغف نقدا ومن الإفراط في وصفها قول قيس بن الخطيم (5) : طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائرٍ ... لها نفذ لولا الشعا أضاءها وذكرت بخير هذه الطعنة قول رجل من شيبان فأتبعته طعنةً ثرةً ... يسيل على النحر منها صبيب فإن قتلته فلم (1) أرقه ... وإن ينج منها فجرح رغيب يقول (2) : إن قتلته الطعنة فلم أدع جهداً، وإن سلم فقد تركت به جرحاً رغيباً، أي واسعاً. وقوله: " لم أرقه " ، كانوا يزعمون أن الطاعن إذا رقى المطعون برئ، كما قال زهير (3) : عشية عاودت الحليس كأنما ... على النحر منه لون بردٍ محبر فلم أرقه إن ينج منها وإن يمت ... فطعنة لا غس ولا بمغمر وقال حاتم الطائي (4) : سلاحك مرقي فلا أنت ضائر ... عدواً ولكن وجه مولاك تخمش وقال أبو محمد بن عبدون من قصيدة (5) : مضوا يظلمون الليل لا يلبسونه ... وإن كان مسكي الجلابيب ضافيا يؤمون بيضاً في الأكنة لم تزل ... (1) قلوبهم حباً عليها أداحيا وأغربة الظلماء تنفض (2) بينهم ... قوادمها مبلولةً والخوافيا إذا مرقوا من بطن ليلٍ رقت بهم ... (3) إلى ظهر يوم عزمة هي ما هيا وإن زعزعتهم روعة زعزعوا الدجى ... إليها كماةً والرياح (4) مذاكيا ولو أنها ضلت لكان أمامها ... سنا عمر في فحمة الليل هاديا وصلت به الهيجا عليه وسلمت ... فما ارتضيا حاشاه ساقاً وساقيا همام أقام الحرب وهي قعيدة ... وروى القنا فيها وكانت صواديا شريف المطاوي تحت ختم ضلوعه ... تميمة تقوى ردت الدهر صاحيا إذا قرئت لا بالنواظر (5) طبقت ... سرى (6) أختها ذات البروج مساعيا وهدي لو استشفى المعنى بروحه ... لما كان بالوجد المبرح صاليا ورقة طبع لو تحلى بها الهوى ... لأعدى على عصر الشباب البواكيا إليه أكلت الأرض بالعيس ثائراً ... وقد أكلت منها الذرى والحواميا حوافي لا ينعلن والبعد آذن ... على نفسه إلا الوجى (7) والدياجيا فجاءته لم تبصر سوى البشر هاديا ... (8) وسله ولم يسمع سوى الشكر حاديا هوادٍ على إعجازها قيم الندى ... فأربح مشري حمدٍ وشاريا [129ب] ألكني ألكني والسيادة بيننا ... إلى مولعٍ بالحمد يشريه غاليا إلى آمرٍ في الدهر ناهٍ، إذا قضى ... على كل من فيها أطاعوه قاضيا وحيوه لا راجين رجع تحية ... وإن كان جوداً لا يخيب راجيا إليك ابن سيفي يعربٍ زف خاطري ... عقائل لا ترضى البروج مغانيا وإني لأستحيي من المجد أن أرى ... عليّ لمأمول سواك أياديا وأني وقد أسلفتني قبل وقته ... من البر ما حازت (1) خطاه الأمانيا وأيقظت من قدري وما كان نائماً ... وأبعدت من ذكري وما كان دانيا ولكن نبا من حسن رأيك في يدي ... (2) أظن حساماً لم يجدني تاليا ولو لم يكن ما خفت لا خفت لم أجد ... على غير ما أخذ متنيه اللياليا إلى من إذا لم تشكني أنت والعلا ... أكون بما ألقى من الدهر شاكيا وأنت على رفعي ووضعي حجة ... (3) فكن بي على أولاهما بك جاريا وما أسفي إلا على فوت رتبةٍ ... عهدتك فيها بادياً ومباديا وكون مكاني من سمائك (4) عاطلاً ... ولولا مكاني الدهر ما كان حاليا وإن كسادي، رأس ألف صناعة ... ليترك وسماً (5) في السيادة باديا قال ابن بسام: أبو محمد بن عبدون لمكانه من صنعة الكلام، وسبقه - زعم - في غايتي النثر والنظام، أقامها مقام ألف صناعة، وكني بها واحدةً عن جماعة، كما قال الأول: يا عين بكي خالدا ... ألفاً ويدعى واحدا وفي هذه القصيدة يقول أبو محمد، وهو من حر النظام، وجزل الكلام: فرد المنى خضراً ترف غصونها ... بمبسوطةٍ تندى ندىً وعواليا عوال إذا ما الطعن هز جذوعها ... تساقطت الهيجا عليك معاليا وعاون على استنجاز طبع طبع بهبة (1) ... ترقص في ألفاظهن المعانيا وأجعل أرض الروم تجلو تلاعها ... (2) عليك زروداً والحمى والمطاليا وقد نشرت من ذي القروح وخاله ... وعمرو بن كلثوم عظاماً بواليا وقيل لهم من ذا لها (3) فتخيروا ... أخيراً يبذ القائلين الأواليا فإن نسقوا على الولاء ولم يكن ... بذلك فاجعل منه ظلك عاريا وعز على العلياء أن يلقى العصا ... مقيماً بحيث البدر (4) ألقى المراسيا ومن قام رأي ابن المظفر بينه ... وبين الليالي نام (5) عنهن لاهيا ضجر أبو محمد من سكنى وطنه يابرة، وهو يكرر هذا في شعره، كقوله فيه في قصيدة أخرى: أنا يا (1) ابن سيفي يعرب سيفك الذي ... إذا شمته لم ينب واخبره تعلم هجرت إليك الأقربين مهاجراً ... ولم أرض أرضاً كل ساكنها عم فعار على العلياء سكناي بلدةً ... كبلدة عالمي الأفق من دون أنجم (2) [130أ] فلو أن غيلاناً حوته ديارها ... (3) تغنى بمي بينهم غير معجم وقوله: " قوادمها مبلولة والخوافيا " ، ينظر إلى قول أبي الحسن (4) بن حصن في سحابة (5) : بكرت سحرةً قبيل الذهاب ... تنفض المسك عن جناح الغراب وقوله: " إليه أكلت الأرض " ... البيت، نسخة من قول حبيب، ونقض عنه (6) : من القلاص اللواتي في حقائبها ... بضاعة غير مزجاةٍ من الكلم وأبو تمام إنما نظر في هذا المعنى إلى قول الأعشى (7) : فإن عتاق العيس سوف تزوركم ... ثناء على أعجازهن معلق أراد المدح الذي تحدى به من ورائها كما أن الهادي من أمامها، وهذا كقول الآخر (1) : سأرفع قولاً للحصين ومنذرٍ ... يطير به الغربان شطر المواسم وتروى به الهيم الظماء وتلتقي ... (2) بأمثاله منهن سجع الحمائم ويعني بالغربان أوراك الإبل؛ وقوله: " تروى به الهيم الظماء " يعني أن الماتح يتغنى بهن فينشط ويقوى على سقي إبله. وقوله: " ولولا مكاني الدهر ما كان حالياً " ، كقول القسطلي (3) : غريب تحلت بآدابه ... بلاد تواصت بتعطيله وقوله: " ترقص في ألفاظهن المعانيا " من سرقاته الغريبة، واختلاساته العجيبة، تدق عن أعدادٍ من المباني، وإنها من خفيات المعاني، وأراه أنا من قول إدريس بن اليماني، فإياه أراد، وإن كان ملح وزاد، حيث يقول (4) : ثقلت رجاجات أتتنا فرغاً ... حتى إذا ملئت بصرف الراح خفت فكادت تستطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخف بالأرواح وقوله: " وأيقظت من قدري " ... البيت، هو لفظ أبي نخيلة (5) : ونبهت من ذكري (1) وما كان خاملاً ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض وكشف أبو تمام هذا وحسنه، فقال (2) : لقد زدت أوضاحي امتداداً ولم أكن ... بهيماً ولا أرضي من الأرض مجهلا ولكن أيادٍ صادفتني جسامها ... أغر فخلتني (3) أغر محجلا وقوله: " ولكن نبا من حسن رأيك " ... البيت، مصراعه الأول من قول أبي فراس (4) : ولكن نبا منه بكفي صارم ... وأظلم في عيني منه شهاب أخذ هذا البيت بجملته ابن عمار: أيظلم في عيني كذا قمر الدجى ... وتنبو بكفي شفرة الصارم العضب ولأبي محمد من قصيدة أخرى في المتوكل أولها: هل عمروا الأفق بالآرام والعفر ... أم كحلوا الشهب بالتفتير والحور والنقع قد (5) مد جنح الليل فوقهم ... أم عينهم لا ترى التضفير في الشعر [130ب] يا ليل هل (6) صاحب في البيد غيرك لي ... فالنجم معي عن الإدلاج والسهر أسري وأسرب لا مستصحباً أحداً ... والناس عميان لولا الخبر عن خبر أدور فيهم وعمران يخاطبهم ... (1) مني وهم في من روح ومن زفر شادٍ وليس لسان الرعد ذا لسنٍ ... هادٍ وما ناظر الإيماض ذا نظر كأنما الليل زار الأرض ذا شغفٍ ... فأكبرت وصل أحوى اللون ذاعور كأنها عبلة والليل عنترة ... في جمع أشتاته لو كان ذا بصر والأرض قد لبست أدراع أبحرها ... وجردت فوق أيديها ظبا الغدر من كل درع نسيم الريح غضنها ... وصارم بالحباب اعتاض (2) من أثر ما كان في هيئة الأرض القيام لنا ... (3) بالليل لولا مزيد من سنا عمر من مجده خص قحطاناً وأنعمه ... عمت ربيعة والحمراء من مضر أكسى من الكعبة الزهراء من نشب ... أعرى على لبسه العليا من الحجر بسيفه (4) انتاش سيف جده يمناً ... لا سيف وهرزٍ المحدود بالنفر أنتم عنى مسلم يا آل مسلمةٍ ... (5) بالجود إذ لم ينازعه بنو مطر ولم يرد مطراً جد اليزيد ول ... كن من ندى جدكم سماه بالمطر لولاكم أهلك الناس استواؤهم ... ولم يكونوا سوى دهمٍ بلا غرر كم في سرادقكم من ماجد عممٍ ... يعطي الجزيل ومأوى الخائف الحذر (1) لما رأوا أنه لا عيب يدركه ... عابوه وهو الكبير القدر بالقصر والصبح مبدي ربى نجد وإن صغرت ... والليل يستر لبناناً على الكبر وقوله: " بسيفه (2) انتاش سيف جده يمناً " ، يريد سيف بن ذي يزن، حين استنقذ من أيدي الحبشة ملك اليمن، في خبر معروف، خارج عن غرض خذا التصنيف. ووهرز - يقال بالراء والزاي (3) معاً - وهو الذي أنفذه كسرى أبرويز مع سيف بن ذي يزن، أميراً على من كان في سجنه، بإشارة مرازبته فكان من أمره ما كان. وله فيه من اخرى: ما لي إذا نفس معنى قد ست وسرت ... في جسم لفظ الخلق من مثل أنت الذي باهت الأرض السماء به ... ولا لها بك إن باهتك من قبل أحوم حول حياض من رضاك وما ... لي بالورود إذا حلئت من عمل راعوا قديم ولاء يال مسلمة ... وما اطردت بكم في المدح من مثل تفري أديمي الليالي غير مبقيةٍ ... علي ما لليالي ويلهن ولي وإنني في مواليكم كملككم ... بين الممالك، والإسلام في الملل وهذا كقول ابن الرومي (4) : تلوح في دول الأيام دولتكم ... كأنها ملة الإسلام في الملل وله من قصيدة اندرج له بعضها في رسالة موشحة، عارض البديع بها في بابه، وصب فيها على قالبه، منها: [131أ] دوحة فرعها على الشهب موضوع وأصل قد غاص تحت النجوم ... شهب زينت سماء المعالي وحمتها من بيضه برجوم ... يردون الظبا ورود القطا والموت قد غض بالقنا المحطوم ... أوقعوا بالمجوس ما يعلم الله وثنوا من بعدها بالروم ... سؤدد حار فيه وصفي فما أسطيعه بالمنثور والمنظوم ... وإذا ما هزوا صدور القنا الصم فما صدر فيلقٍ بسليم ... زعزعوها فليس تدري سوى عهدهم في حديثها والقديم ... كلما حكموا اللهى بالندى في المال نادى مالي وللتحكيم ... مثلما حكموا اللهى بالندى في الأخذ بالاختبار في المحكوم ... ما على البيض غير أن تدع الهام بهم مثل الهاء في الترخيم ... صوتها في أسماعهم كالمثاني والمثاليث في سماع النديم ... ليس إلا الظبا لهم زهر والدم خمر لكن بلا تحريم ... فثناء مني (1) أرفرف برديه ومنهم إدمان بر عميم ... قوله: " خمر لكن بلا تحريم " من الاستدراك البديع، والتخلص المطبوع. وقوله: " كلما حكموا اللهى " ... البيت، يشبه قول أبي محمد بن صارة الشنتريني (2) : خلق الوزير أبي العلاء خوارج ... لكنها ليست ترى التحكيما ويوم على حبرات الرياض ... تجاذب بردي أيدي (2) الرياح بحيث لم أعط النهى طاعةً ... ولم ألق سمعاً إلى لحي لاح وليل كرجعة (3) لحظ المريب ... لم ادر له شفقاً من صباح كعمر (4) عفاتك يوم الندى ... وعمر عداتك يوم الكفاح إليك رمى أملي بي ولا ... (5) هوي مصفقةٍ بالجناح أقول لراجي الحيا وهو دان ... مداه وجدواه من كل راح إذا عمر هطلت كفه ... فلا حملت سحب من رياح من النافذي الطعن تحت العجاج ... بين الدلاص وبين الرماح من القوم ينزلهم (6) خضدهم ... عن الموت شوك القنا في البراح [131ب] وعنهم تكون رفع العلا ... سماءً على عمد من صفاح وقادوا الزمان إلى اليوم وهو ... رقيق الحواشي صقيل النواحي وله من أخرى، وهي قصيدة فريدة بها الأوائل، وصرح فيها عن كل طائل، والمرء تحت لسانه، وشرفه بنفسه لا بزمانه، أولها (1) : ساروا ومسك الدياجي غير (2) منهوب ... وطرة الشرق غفل دون تذهيب على ربى لم يزل شادي الذباب بها ... يلهي بآنق ملفوظ ومضروب كالغيد في (3) قبب الأزهار أذرعه ... بالبرق فوقي دراً غير مثقوب و الغيم تنثر منه راحة (4) خضبت ... بالبرق فوقي دراً غير مثقوب فرحت أستخبر الأنفاس لا الطسم ال ... أدراس عن موعد في الحي مكذوب وأشتفي بسؤال الريح مخبرةً ... (5) عنهم ولو أنها تهفو بتأنيبي هيهات لا أبتغي منكم هوىً بهوى ... حسبي أكون محباً غير محبوب فما أراح لذكرى غير (6) عالية ... ولا ألذ بحب دون تعذيب ولا أصالح أيامي على دخنٍ ... ليس النفاق إلى خلقي بمنسوب يا دهر إن توسع الأحرار مظلمةً ... فاستثنني إن غيلي غير مقروب مهلاً فدرع حويلي غير محتنة ... عجباً وسيف عزيمي غير مقروب (7) ولا نخل أنني ألقاك منفرداً ... إن القناعة جيش غير مغلوب ما كل من سيم خسفاً عاف مورده ... إن الإباء لظهر غير مركوب وكم تأزرت الغيطان لي كرماً ... واستشقتني أنفاس الشناخيب أمشي البراز ولا أعفي به أثري ... حسب المريب ركوب اقاع ذي اللوب ورب عاوٍ على إثري بليت به ... بلاء ليث الشرى في الليل بالذيب أسكنت عنه ولو لم يزدجر غضبي ... وشمت صارم تأنيبي وتثريبي سويت أشباح ألفاظي وقدس أر ... واح المعاني لها نقدي وتهذيبي أوانس أذنت لي والنوى قذف ... على علا (1) كل صعل الإذن حجوب سما بذكري إلى أسماعهم أدبي ... مسرى النسين إلى الآناف بالطيب وطار بي أذنه في أفق حرصهم ... على قوادم تأهيلي وترحيبي لا ينظرون إلى شخصي كما نظرت ... بيض الخدور إلى القترا (2) من الشيب من كل مطلق قيد الحرب عن لجبٍ ... قيد الأسود على طير السراحيب يمر مر الغمام الجون يتبع من ... لحمٍ أباريق ترغيب وترهيب مدح بهذه القصيدة المعتمد بن عباد. قوله: " حسبي أكون محباً غير محبوب " لفظ أبي الطيب (3) : أنت الحبيب ولكني أعوذ به ... من أن أكون محباً غير محبوب [132أ] وقوله: " ولا أصالح أيامي على دخنٍ " ؛ لفظه أيضاً (4) ، وقوله: " إن غيلي غير مقروب " ، لفظ [بيت] الجميح (1) . تسكن غيلاً غير مقروب ... وقوله: " أمشي البراز " ... البيت، عكس قول امرئ القيس (2) : على أثرينا ذيل مرطٍ مرحل ... وأخذه ابن المعتز فقال (3) : فظلت أبسط خدي في التراب له ... ذلا وأسحب أذيالي على الأثر وقوله: " لا ينظرون إلى شخصي كما نظرت " .... البيت، كقول محمد بن هانئ الأندلسي (4) : هم لحظوكم والنبوة فيكم ... كما لحظت شيب الكبير (5) الفوارك وأصله من قول امرئ القيس (6) : أراهن لا يحببن من قل ماله ... ولا من رأين الشيب فيه وقوسا وللوزير أبي محمد عبد الغفور من أهل وقتنا فصل يتعلق بهذا المعنى من رقعة، قال فيه: كنت (1) قبيل هذا المشيب الذي علا، والشباب الذي تولى، كريما على ذوات الطلى، لا يتعرضن في لمكان القلة (2) بلولا؛ ولما أطار غراب الشباب باز المشيب، ورحت رث الجلباب بعد كل شخت قشيب، سمعتهن حينا يتبرمن، وحينا يترنمن، إلا أنهن يجمجمن ولا يترجمن، وبفضل حاستي - والله الفضل - ما فهمت الوزن، فلما استقريت لتعرف حروفه السهل والحزن، عثر لهجي في تطلب تلك الضالة بلعل وعسى، بقول الملك الضليل: " ألما على الربع القديم بعسعسا " ولم أزل بعد محدثا موسوسا، حتى سقط بي اليقين على قوله " وقوسا " وفي صدر هذا الروي " أراهن لايحببن من قل ماله " ، وإذا قوس ظهر المرء فقد استحال جماله، فإذن قاتلهن الله يحببن القبيح ذا المال، والفقير ذا الجمال. وصفة ابن عبدون للذباب: أجاد فيه ما أراد، وقد تناول هذا المعنى أبو بكر بن سعيد البطليوسي، فقال من قصيدة (3) : كأن أهازيج الذباب أساقف ... لها من أزاهير الرياض محاريب وأخذه ابن عبدون من قول ابن الرومي يصف روضا (4) : وغرد ربعي الذباب خلاله ... كما حثثت النشوان صنجا مشرعا وكانت أهازيج الذباب هناكم ... على شدوات الطير ضربا موقعا وإنما اخترعه أولا عنترة بقوله (1) : فترى الذباب بها يغني وحده ... هزجا كفعل الشارب المترنم غردا يحك ذراعه بذراعه ... فعل المكب على الزناد الأجذم وهذا من التشبيه الذي ما له شبيه، ولم يجسر عليه أحد، غير أن ذا الرمة نقل معنى الصفة إلى الجندب فقال (2) : كأن رجليه رجلا مقطف عجل ... إذا تجاوب (3) من برديه ترنيم [132 ب] والمقطف: راكب الدابة القطوف، فنقل صفة يدي الذباب إلى رجل الجندب فأحسن الأخذ، وكأنه لم يعرض لعنترة معناه. وقال السلامي في صفة زنبور (4) : إذا حك أعلى رأسه فكأنما ... بسالفتيه من يديه جوامع فباعد عنترة في الصفة، وإن قاربه في الموصوف، وتعلق في اللفظ بصريع الغواني إذ يقول في النساء (1) : فغطت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدي الأسارى أثقلتها الجوامع وقد قال بعض أهل أفقنا، وهو يوسف بن هارون الرمادي: وكأس كريق الإلف شعشعتها به ... وعيشي من هذا الشراب المشعشع على روضة قامت لنا بدرانك ... وقام لنا فيها الذباب بمسمع إذا ما شربنا كأسنا صب فضلها ... على روضنا للمسمع المتخلع وقد قال الجاحظ (2) : وجدنا المعاني تقلب ويؤخذ بعضها من بعض إلا قول عنترة في الذباب، وقول أبي يونس في تصاوير الكأس، حيث يقول (3) : قرارتها كسرى وفي جنباتها ... مها تدريها بالقسي الفوارس فللراح ما زرت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس يريد أن حد الخمر بلغ نحور هذه الصور، وزيد الماء فيه فانتهى الشراب إلى فوق رؤوسها، وفائدة هذا معرفة حدها صرفا، من حدها ممزوجة. قال ابن بسام: وقد ذكر أن الحسن ولد هذا المعنى من قول امرئ القيس (1) : فلما استطابوا صب في الصحن نصفه ... وشجت بماء غير طرق ولا كدر فجعل الشراب والماء نصفين (2) ، لقوة الشراب، فتسلق الحسن عليه، وأخفاه بما شغل به الكلام، من ذكر الصورة المنقوشة في الكأس، إلا أنها سرقة مليحة. وكرر أبو نؤاس هذا المعنى عجبا به في مواضع كقوله (3) : بنينا على كسرى سماء مدامة ... مكللة حافاتها بنجو فلورد في كسرى بن ساسان روحه ... إذن لاصطفاني دون كل نديم وأخذه الناشئ وولد معنى زائدا فقال (4) : في كأسها صور تظن لحسنها ... عربا برزن من الحجال وغيدا وإذا المزاج أثارها فتقسمت ... ذهبا ودرا توأما وفريدا فكأنهن لبسن ذاك مجاسدا ... وجعلن ذا لنحورهن عقودا وقال ابن المعتز (5) : وكأس (6) من زجاج فيه أسد ... فرائسهن ألباب الرجال وألم بهذا الملتمس بن بطال البطليوسي (1) فقال: غاب من الأكواس فيها ضراغم ... من الراح ألباب الرجال فريسها قرعت بها سن الهموم فأقلعت ... وقد كاد يسطو بالفؤاد رسيسها [133أ] وقال بعض أهل عصرنا، وهو أبو تمام بن رباح (2) : وكأسٍ بدا بها في قرارةٍ ... غريقاً ولكن في خليج من الخمر وما صورته فارس عبثاً به ... ولكنهم جاءوا بأخفى من السحر أشاروا بما دانوا له في حياته ... فيومي إليه بالسجود وما يدري ومثل هذه المعاني التي ذكروا مما انفرد به كل واحد من الشعراء، لا يكاد يتناولها حاذق إلا قصر، إلا أن يزيد زيادةً تظهر، ولذلك ما تحامي الناس أشياء كثيرةً من المعاني التي أخذت حقها من اللفظ، ولم يبق فيها فضلة تلتمس، والقرائح تتفاضل، ألا ترى إلى قول جميل في وصف امرأة فاجأها (3) : غدا لاعب في الحي لم يدر أننا ... نمر ولا أرض لنا بطريق فلما (4) انتحيناه اتقانا بكمه ... وأعلن من ورعاتنا بشهيق كيف وصف حقيقة الحال التي صورها تصويراً، مع حسن لفظ، وليس مع ذلك ببالغٍ قول النابغة (1) : سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد رجع وقال ابن عبدون من قصيدة: لولا المؤيد، مد الله مدته، ... ما كان لي في سوى بغداد من ارب فلم أكن وسوى (2) بغداد لي أمل ... فيها كما كنت في أهلي بمغترب وإن نبت حمص بي والله يعصمها ... ركبتها عزمةً تشأى الكواكب بي وللمؤيد، مد الله مدته ... رأي يغالط شهب الليل في القطب لم ينتقب وجهه للسمر مشرعةً ... وإنه من حياء الوجه في نقب يشأى المساجل في بأس وفي كرم ... ويملأ الدلو في العليا إلى الكرب تراه إن تدعه يومي (3) ندى ووغى ... النار في عرفج والماء في صبب إليك مني، أعز الله نصرك ما ... أبقته أيدي السرى والبيد والنوب جاءتك ترقص أردان الكلام به ... سوابح تأكل الغبراء بالخبب وله في المعتمد من قصيدة: إن الممالك والسيوف شهود ... لكم إمام والملوك عبيد شامتكم في المكرمات عزائم ... جارٍ على أحكامها التأييد وعلاً نشأن مع النجوم وقبلها ... ولهن من بعد النجوم خلود من معشرٍ أخذوا بأطراف العلا ... والأفق غفل والليالي سود جادوا فبانت في البسيطة أنجم ... وسطوا فثارت في السماء أسود يا روضةً وصف النسيم أريجها ... رفي (1) علي فإنني غريد ما لي أرفرف حول دوحك ضاحياً ... أصف الأوار (2) وماؤها مورود لا ذنب للآمال إلا أنها ... شهب لها من أن تراك سعود [133ب] ركبت إليك جناح كل عزيمةٍ ... قرب الردى من خلفها مزءود أكلت إليك الأرض وهي بحسبها ... إن لم تعقها من ثناك قيود قوله: " وعلا نشأن مع النجوم وقبلها " ، مأخوذ من قول المعري، وله فيه زيادة، تجاوزت الغاية في الإجادة، وخرقت في الإحسان كل عادة، وهو قوله يصف خيلاً (3) : نشأن مع النعام بكل دو ... فقد ألفت نتائجها الرئالا (4) ولعل هذا توارد من الطباع، وبحسب القريحة يكون الإبداع والاختراع. وقوله: " يا روضةً وصف النسيم أريجها " ، من قول إسحاق الموصلي (1) : يا سرحة الماء قد سدت موارده ... أما إليك طريق غير مسدود ولابن عبدون من قصيدة في الرشيد نقلتها من مبيضاته، ولم يعرضها عليه، ولا أوصلها اليه، أولها (2) : عزيم لا يسد عليه باب ... وقلب لا يفل له ذباب ومنها: مضى في نائبات الدهر (3) صلداً ... فلم يثلم وقد طال الضراب وقد زروا (4) الضلوع على قلوب ... لو انتضيت لقط بها الرقاب وسرت ومن كواكبه حلي ... علي ومن غياهبه قراب ولو بسوى الرشيد جعلت هديي ... لضل الركب فيها والركاب من النفر الألى طلعوا نجوماً ... فمن أنوائهم فينا انسكاب إذا هزتهم نغم العوالي ... فليس سوى النجيع لهم شراب وباء فقلت في الغبراء برج ... وثار فقلت في الخضراء غاب لقد عقدت حباه على خلالٍ ... ظباه لا تهاب كما تهاب وطبق مفصل العليا بنفسٍ ... مآثرها تراث واكتساب كأن عداه في الهيجا ذنوب ... وصارمه دعاء مستجاب وهذا مما أغرب فيه، ولم أسمع له بشبيه، ولعله أمير شعره، ونتيجة فكره؛ وفيها يقول: إليك أبا الحسين ركبت عزماً ... يضيق برحب مسعاه الطلاب رمت في البحر منك ولم تعرج ... (1) على أرضٍ بقيعتها سراب وقد مرقت إليك من الدجى بي ... أعاريب تخب بها عراب هفت بي والدجى يهفو حشاه ... كما كسرت على خززٍ عقاب قول أبي محمد: " وسرت ومن كواكبه حلي " ... البيت، سلك فيه سبيلاً من البديع لا تسلك، واستولى منه على غاية من الكلام المطبوع قلما تدرك. وأما قوله: " كما كسرت على خززٍ عقاب " فما أولاه عليه بالعقاب، إذ نسخ لفظ أبي الطيب كما تراه، وقصر أكثر مما شاء عن معناه، وهو (2) : يهز الجيش حولك جانبيه ... كما نفضت جناحيها العقاب على أن أبا الطيب إنما تطرف قول طرفة (3) : بكتائبٍ تردي كما ... تردى إلى الجيف النسور [134أ] ولكن المتنبي طار في السماء مع العقاب، وترك طرفة في الأرض على التراب. وكان أبو محمد حين استوحش من المنصور بن المتوكل (1) ، ولحق باشبيلية، كتب إلى الوزير الأجل أبي بكر بن زيدون بهذه الأبيات: لك الخير من مثري اليدين من العلا ... إذا تربت أيدي النوى والتطول بما كان بين الماضيين من الذي ... إليه استنادي (2) أو عليه معولي ولم تتمسك بالمؤيد لي يد ... وقد زهقت (3) رجلي عن المتوكل وله أيضاً يقول: قل للوزير أدام الله عزته ... والجاه يفني وقول الدهر مفهوم لئن نبت بي حمص وهي قد فعلت ... فليس تنبو بي السبع الأقاليم لي في مناكب أرض الله مضطرب ... إن سامحت بي النوى (4) لخم ومخزوم ثم انصرف إلى حضرة المتوكل ببطليوس، ودفع إليه قصيدةً أولها: خصمت الظبا عنكم على أنها لد ... بقرعٍ له في كل بارقةٍ رعد بزرقٍ بما خلف الضلوع بصيرةٍ ... على أنها مما بكت حدق رمد تركت لمن هز الأسنة رأيه ... وقلت لغيري الخفض والعيشة الرغد وطار جناح الليل مني بأجدلٍ ... إذا ما الظبا فاضت ففيها له ورد منير أسارير الرئاس إذا سرى ... وشت بسراه البيد والليل مسود وفيها من عتابه للمتوكل: أفالآن لما ملني ومللته ... طلاب لوى عن نيله الزمن الوغد وباضت على رأسي السنون وفرخت ... وما لي حل في الأمور ولا عقد طمعت بحمص أن تلين لمطلبي ... ولا عجب قد يرشح الحجر الصلد ولي. فأسأت، الذنب في ذاك لا لها ... فمذ توجد الجعلان لم ينفق الورد ما أخرجته من سائر مقطوعاته الإخوانيات من ذلك ما أنشدنيه لنفسه، مما خاطب به الوزراء الكتاب بني سعيد ابن القبطورنة، حين خرج عن بطليوس مستوحشاً، حسبما وصفته (1) : أخلائي وفي قرب الصدور ... ظبا تقضي (2) على قمم الدهور وقد ضمت (3) جوانحنا قلوباً ... أبت غير القصور أو القبور إذا الكرماء نامت (4) فوق ضيمٍ ... فما فضل الكبير على الصغير فقبل أبى الدنية قيس عبسٍ ... (5) ولم يصغي إلى قول المشير لئن عثروا وليس لعاً جواب ... فلا علقت بطون من ظهور ولا سعوا بها إلا بصم ... ولا نظروا بها إلا بعور ومنها: [134ب] ودلهني فراق بني سعيد ... فما أدري قبيلاً من دبير وبات بطريقه هنالك على وادي آنة بقربة لب، فقال: عذيري إلى المجد من كون مثلي ... بآنة أو من مبيتي بلب وبغداد لو هتفت بي هلم ... هلم لما كنت ممن يلبي وأنشدني أيضاً له مما خا
مصادر  : 

المجال الزمني
ولد  : 
كان حيا  : 
كان حيا ق  : 
كان حيا ب  : 
توفي  : 
توفي قبل  : 
توفي بعد  : 
عصره  :  484 - 422 الطوائف
عاصر  :  عول من ملوك الطوائف على رئيس بلده المتوكل

المجال الجغرافي
أصله من  : 
ولد في  : 
نشأ في  : 
سكن  : 
توفي ب  : 
دفن ب  : 
رحل إلى  : 

المجال المهني
مهنه  : 
وزير
كاتب
نص المهن  :  الوزير، الكاتب

المجال المعرفي
مروياته  : 
تراثه  : 
تخصصاته  : 
قائمة التخصصات  : 
...

المذهب والعقيدة
نص المذهب  : 
مذهب  : 
نص العقيدة  : 
عقيدة  : 

المدارسة
شيوخه  : 
...
تلاميذه  : 
...




فكرة وتحليل وإشراف على جمع المعطيات : مصطفى بنسباع - تصميم قاعدة البيانات والبرمجة : المهدي الشعشوع