|
النص
:
|
أحمد بن عبد الرحمان بن محمد بن عبد الرحمان بن محمد بن الصقرالانصاري الخزرجي : أبوالعباس أصله من الثغر الآعلى من سرقسطة حيث منازل الآنصار هنالك؛ وانتقل جد أبيه عبد الرحمان بابنه محمد صغيرا منها لحدوث بعض الفتن بها الى بلنسية , فولد له بها [ ابنه عبد الرحمان أبو العباس هذا , ثم انتقل أبوه إلى ألمرية فولد بها ] أبو العباس , ونقله أبوه منها الى سبتة ابن نحو سبعة أعوام وأقام فيها به مديدة [ثم تحول إلى مدينة فاس فاستقر بها ثم استوطن أبو العباس مراكش] بعد رحلته إلى الأندلس كما سيذكر بحول الله تعالى , تلا برواية ورش أبي سعيد ـــ ويقال : أبو عمرو وأبو القاسم ـــ عثمان بن سعيد المصري عن أبي عبد الرحمان ويقال : أبو رؤيم وأبو الحسن وأبو عبد الله نافع بن عبد الرحمان بن أبي نعيم مولى جعونة بن شعوب الليثي حليف حمزة بن عبد المطلب , ويقال حلبف العباس ابن عبد المطلب , ويقال حليف بني هاشم , تلا بها على أبيه وأكثر عنه وأجاز له بها أيضا على أبي عبد الله بن حسين الطليطلي المقرئ قال : هو أول من قرأت عليه , وبقراءة نافع على أبي علي الحسن بن عبد الله المروي وأبي عبد الله بن عبد الله , وبقراءة أبي عمرو على أبي عبد الله بن أحمد , وبالسبع على أبي العباس بن بن فيرة بن مفضل اليحصبي وأبي القاسم عثمان بن ادريس , وأخذ عنه جملة صالحة من مصنفات أبي عمرو الداني , وتلا على أبي العباس بن عبد الله بن الغربال ولم يعين متلوه وكلهم بعد المروي طليطلي , روى عن أبي اسحاق بن أبي الفضل بن صواب وأبي بحر سفيان بن العاصي وأبا بكر عبد الله بن طلحة اليابري وغالب بن عطية وابن اغلب وأكثر عنه وابن العربي ويحيى بن عبد الله التجيبي , وأبي جعفر ابن الباذش وتدبج معه ومحمد بن حكم بن باق وأكثر عنه , وأبي الحجاج ابن عبد الله بن عديس وابن موسى الكفيف , وأبي الحسن عبد العزيز ابن الشفيع وحضر اقراءه القرآن وسمع عليه جملة وعباد بن سرحان وأكثر عنه وابن محمد بن دري وحضر عنده , وأبي الربيع ابن سبع وابن عبد الله ابن البيغي , وأبا عبد الله ابن أحمد بن وضاح وابن حسون و ابن عبد الرحمان ابن المحتسب وابن معمر النميري وأجازهو له وابن عبد العزيز اليعمري وابن عمر الزبيدي وابن عيسى التميمي وابن يحيى الأزدي واكثر عنه وأبا عامر أحمد بن الفرج وأبي عمر ميمون بن ياسين اللمثوني وأبي عمران بن أبي الربيع القشوبري وأبي الفضل عياض ولازمه وأبي القاسم الخلفين ابن بشكوال وابن يوسف بن الأبرش , وأبا محمد ابن أحمد الوحيدي بمالقة وابن علي سبط ابي عمر بن عبد البر بأغمات وريكة وعبد الحق بن عطية بغرناطة وعبد المجيد بن عبدون بمراكش , أخذ عنهم قراءة وسماعا , وجالس أبا عبد الله بن أبي الربيع الونتي كثيرا وأجازوا له , وسمع أبا عبد الله بن أحمد الجياني البغدادي وناوله ومالك بن وهيب ولازمه بمراكش وأبا القاسم محمد بن هشام بن أبي جمرة واختص به ولم يذكر أنهم أجازوا له ولقي أبا الأصبغ عبد العزيز بن عيسى بن عبادة الجياني وأبا الحسن بن محمد بن كوز قديما وحضر مجلسه وأبا عبد الله بن داود العكي وأبا علي منصور بن الخير وأبوي محمد جابر بن المعتمد بن عباد وابن محمد النفزي المرسي وناوله وأبا الوليد هشام بن أحمد بن بقوى وأجازوا له , وأجاز له أبو الحسن بن الباذش ولم يذكر لقياه اياه , وله شيوخ غير هؤلاء لا اتحقق الآن كيفية تحمله عنهم منهم : أبو عبد الله بن الريوطي وأبو العباس بن عثمان بن مكحول . روى عنه ابنه أبو عبد الله وأبو خالد يزيد بن رفاعة وأبو محمد بن محمد بن علي بن وهب القضاعي , وكان محدثا مكثرا ثقة ضابطا مقرئا مجودا حافظا للفقه ذاكرا لمسائله عارفا بأصوله متقدما في علم الكلام عاقدا للشروط بصيرا بعللها حاذقا بالأحكام كاتبا بليغا شاعرا محسنا آنق أهل عصره خطا وأجملهم في منزعا , وكتب دواوين العلم ودفاتره ما لا يحصى كثرة وجودة وضبطا , وعني به أبوه في صغره فأسمعه كثيرا من الشيوخ وشاركه في بعضهم منهم أبو بحر وآباء بكر : ابن طلحة وابن العربي وابن عطية , وأبو الحجاج بن عديس وأبو الحسن بن شفيع وأبو الحسن بن شفيع وأبو الربيع ابن البيغي وآباء عبد الله : ابن المحتسب وابن عمرو وابن عيسى وابن يحيى , وأبو العباس بن مكحول . وأبو محمد سبط ابن عبد البر وأبو الوليد بن بقوى المذكورون . عني هو بنفسه واشتد كلفه بالعلم وحرصه عليه وتواضع في التماسه شغفا به فأخذه عن الكبير والصغير والنظير من كل قدر عنده فائدة , واستكثر من ذلك حتى اتسعت روايته وجلت معارفه , وكتب عن القاضي أبي عبد الله بن حسون ابن البزاز ايام استقضائه المدة الأولى بمراكش سنة سبع وعشرين إلى أن صرف , ولما خبره أبوالقاسم بن أبي جمرة المذكور وتعرف ما عنده من العفاف والتصاون والادراك حظي لديه وقبض عليه بكلتا يديه واستصحبه اذ ولي قضاء غرناطة فانتقل إليها بجملته ونوه به أبو القاسم كثيرا واستخلصه , وكانت له فيه آمال حال الموت بينه وبين توفيتها اياه , ولما توفي أبو القاسم هذا واستقضي بغرناطة أبو الفضل عياض اشتمل عليه واستكتبه وآثره لصحبة قديمة كانت بينهما وموات متأكدة وقراءته عليه قبل , إلى أن صرف عنها سنة أربع وثلاثين بأبي عبد الله بن علي الأزدي الجياني بن الحاج الأفطس , فقدمه إلى الأحكام والصلاة بوادي آش فأقام بها إلى أن توفي أبو عبد الله سنة ست وثلاثين فعاد إلى غرناطة . وذكر ابن الزبير انه استقضي بغرناطة فحمدت سيرته وشكر عدله وشهرت نزاهته ودام بها حتى ظن من أهلها , قال المصنف عفا الله عنه : توليه القضاء مستبدا طويلا لا أعرفه , انما كان مدة يسيرة كما سأذكره ان شاء الله , ولعله كان بحكم النيابة أحيانا عن مستكتبيه من القضاة أو بعدهم فان معظم أخباره لخصتها من رسمه في كتاب : " أنوار الأفكار فيمن حل جزيرة الأندلس من الزهاد الأبرار " , وهو كتاب ابتدأ تأليفه أبو العباس هذا وتوفي دون اتمام غرضه منه , فكمله وهذبه ونقحه ورتبه أبو عبد الله ابنه ومع ذلك فلم يذكر فيه استنابته القضاء بغرناطة أصلا وانما ذكر استقضاءه بها مدة لاتشعر بطول . ولو كان الأمران او أحدهما لما أغفله والله أعلم . ولأول وصوله إلى مراكش عرفه أحد سراة لمتونة وتحقق ما عنده من الانقباض وحسن الهدي وكان ذلك اللمتوني حينئد عامل دكالة فرغب منه ان ينقطع الى صحبته ويخرج معه إلى عمالته ذلك العام وضمن له أن يعطيه ألف دينار ذهبا مرابطية فامتنع من ذلك وقال : والله لو أعطيتني ملء الدنيا على ان أخرج عن طريقتي وديدني من خدمة أهل العلم ومداخلة الفقهاء والانخراط في سلكهم مارضيت ؛ فعجب اللمتوني من علو همته ورغب في صحبته على ماأراده , وكان من أماثل أهل طبقته وأعيان قومه وكبار رؤسائهم فصحبه على الطريقة المحمودة والسبيل المشكورة إلى أن فرق الموت بينهما , ووافق ذلك عود أبي عبد الله بن حسون إلى قضاء مراكش ثانية فاستدعاه إلى الكتابة عنه لثقته به ولما تحققه من حاله فقدم عليه واستعمله إلى أن صرف , واستقر أبو العباس مراكش متولي أحكامها والصلاة بمسجدها إلى أن اختلت أحوال اللمتونيين وآذنت أيامهم بالادبار ودولتهم بالانقراض فاستعفى عن الأحكام فأعفي ورغب في التزام خطة القضلء فامتنع , وبقي على الامامة بالجامع إلى أن تغلب عبد المؤمن وحزبه على مراكش يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شوال أحد وأربعين وخمسمائة على الوجه المشهور واستبيحت دماء كل من اشتملت عليه من الذكور البالغين الامن تستر بالاختفاء في سرب أو غرفة أو مخبأ وتمادى القتل فيهم ثلاثة أيام ثم نودي في سكهها بالعفو عمن اسأرته تلك الفتكة الشنعاء والبطشة الكبرى فظهر عدد ليس بالكثير يقال أنهم سبعين رجلا وبيعوا بيع الاسرى المشركين هم ونساؤهم وذرارهم وعفي عن بعضهم فكان أبو العباس هذا ممن شملهم احترام أبي محمد عبد المؤمن وعرف جلالته وفضل علمه فألحقه بجملة طلبة العلم الملازمين حضور مجلسه وبالغ في الاحسان اليه والتحفي به وقدمه إلى الأحكام لحضرته مراكش فأقام بها مدة ثم ولاه قضاء غرناطة ثم صرفه إلى قضاء إشبيلية صحبة إبنه ولي عهده أبي يعقوب , ولما صار الأمر إلى أبي يعقوب ألزمه خطة الخزانة العالية وكانت عندهم من الخطط الجليلة التي لا يعين لتوليها الاعلية أهل العلم وأكابرهم , وكانت مواهب عبد المؤمن اه جزيلة وأعطياته مترادفة وصلاته متوالية , وربما وصله في المرة الواحدة بخمسمائة دينار ونحوها فلا يبيت عنده منها شيء ولا يقتني منها درهما ولا يدخر منه قليلا ولا كثيرا لما نشأ عليه وألفه واعتاده مدة حياة أبيه من الزهد في الدنيا والتخلي عنها انما كان يصرف ما يصير اليه منها في المحاويج من معارفه وأهله والضعفاء والمساكين من غيرهم , واستمر له هذا الحال مع ابنه أبي يعقوب الوالي بعده لما تقرر لديه من سداد أحواله وتبين عنده من استقامة أموره , لم تختلف له حال ولا تبدلت له سيرة ولا اكتسب قط شيئا من عرض الدنيا ولا وضع مدرة على اخرى مقتنعا باليسير راضيا بالدون من العيش مع الهمة العلية والنفس الأبية , على هذا قطع عمره , وهذا كان دأبه إلى أن فارق الدنيا ولم تكن همته مصروفة إلا إلى العلم وأسبابه , فاقتنى من الكتب جملة وافرة سوى مانسخ بخطه الرائق كما تقدم , وامتحن فيها مرات بضروب من الجوائح كالغرق والنهب بغرناطة فقد كان استصحب إليها من مراكش خمسة أحمال , ولما فصل عنها تركها مع ما صار له منها مدة مقامه بها فأتى عليه النهب في الكائنة على أهل غرناطة عند قيامهم على لمتونة وتحصن لمتونة بقصبتها ومادار بينهم من القتال إلى أن تغلب أهل القصبة على أهل البلد وتمكنوا من البلد تمكن عنوة واستباحوا استباحة قهر وفر معظم الناس عن منازلهم . فكان ممن فر عن منزله أبي العباس هذا وبعض ولده الذين تركهم بها حين توجه إلى مراكش حين دخلها عبد المؤمن وطائفته , فقد كان جمع منها بمراكش عظيما وأخبر أنه كان في حصار مراكش ـــ والحال ضيق والسعر شديد ــــ أنه كان يخرج بالدرهم ليشتري به قوتا لنفسه وعياله فربما صادف في طريقه كتابا بيد إنسان فيشتريه منه بذلك الدرهم ويرجع دون قوت ويبقى هو وعياله طاويا إلى أن ييسر الله في غيره , وكان مع تقدمه وتبريزه في المعارف بكيء اللسان قصير باع الكلام لا يكاد يؤلف بين كلمتبن لفرط حياء كان قد غلب عليه حتى ملكه , فإذا خلا بنفسه لانشاء أو نصنيف أو فاوض من عادته التبسط معه والتأنس به تفجرت منه بحور علم لايكدرها الدلاء . وله تصانيف مفيدة تدل على ادراكه وجودة تحصيله واشرافه على فنون من المعارف كشرحه " الشهاب " فانه أبدع فيه ماشاء, ومن شعره في الطريقة الزهدية التي لاينفذ فيها الشعر إلامن قويت عارضته وتوفرت مادته وعلمت في الاجادة رتبته قوله :
إلا هي لك الملك العظيم حقيقة وماللورى مهما منعت نقير
نجافى بنو الدنيا مكاني فسرني وماقدر مخلوق جذاه حقير
وقالوا فقير وهو عندي جلالة نعم صدقوا إني إايك فقير
وقوله :
ارض العدو بظاهرمتصنع إن كنت مضطرا إلى ارضائه
كم من فتى ألقى بثغر باسم وجوانحي تنفد من بغضائه
وقوله :
وقوله في وداع القبر المكرم قبر النبي صلى الله عليه وسلم :
حسب المحب من الحبيب سلام يفضي به يوم الوداع ذمام
رحنا وروع البين يخرس نطقنا ومن الدموع إشارة وكلام
ياأرض يثرب لا عداك غمام انت المنى لوتسعف الأيام
للقلب في تلك العراص عرامة مضمونها كلف بها وغرام
فبر تضمن أعظما تعظيما عنه يصح الدين والاسلام
وشعره في هذه المناحي كثير , وكله سلس المقادة دال على جودة الطبع. ولد بالمرية كما تقدم في أحد شهري ربيع سنة اثنين وتسعين وأربعمائة , وتوفي بمراكش بين صلاتي الظهر والعصر من يوم الأحد لثمان خلون من جمادى الأولى سنة تسع وستين وخمسمائة, ودفن يوم الاثنين بعده عقب صلاة الظهر , وصلى عليه القاضي أبو يوسف حجاج بن يوسف, وكانت جنازته عظيمة الحفل كثيرة الجمع برز لها الرجال والنساء ورفعوا نعشه على الأيدي رحمه الله , وبلغ نبأ وفاته جاره وصديقه أبا بكر بن طفيل وهو بإشبيلية صحبة ركاب أبي يعقوب بن عبد المؤمن فكتب إلى ابنيه يعزيهما به وبعث مع الكتاب قصيدة رثاء بها وهي :
لأمر ما تغيرت الدهور وأظلمت الكواكب والبدور
وطال على نجي الهم ليل كأن النجم فيه لايغور
لنبأة صارخ وطروق خطب تكاد له جوانح تستطير
مجيري بل كبيري كان أودي ومايبقى الصغير ولا الكبير
فبان لوجده أسف وحزن وبان لفقده كرم وخير
وضن الدهر أن يأتي بمثل له والدهر ولاد حصور
وأنى للزمان به سماح وأم الدهر مقلاة نزور
أبا العباس جادتك الغوادي ولاقتك الكرامة والحبور
لقد فقد الأيامى واليتامى مكانك والمحافل والصدور
وعطلت المدارس من مفيض علوم الوحي ليس له نظير
تمثل قائل فأجاد فيه وقد يتقدم المعنى الأخير :
" لعمرك ما الرزية فقد مال ولا ساة تموت ولا بعير
ولكن الرزية فقد قرم يموت بموته بشر كثير "
حبيب بان لا خبر يوافى بفيئت هولا يأتي بشير
إذا قفل الرفاق صددت عنهم لعلمي أنه فقد الخبير
وإن أهدى السلام أخو اشتياق إلى العرصات شاقتني القبور
فلابرحت قبور الغرب يهدى إلبها الري والعذب النمير
ولازابها مع الريحان روح ورحمى ماتطاولت العصور
ولم يتخلف رحمه الله لا دينار ولا درهم ولا عبدا ولا أمة ولا عقار ولا ثيابا إلا أشياء لا قدر لقيمتها لما كان عليه من المواساة والصدقة والايثار نفعه الله . …
|