عبد الله بن محمد بن السيد النحوي أبو محمد بن البطليوس
|
|
|
الكتاب
|
|
العنوان
:
|
فهرست شيوخ القاضي عياض المسمى "الغنية"، عياض، تحقيق ماهر زهير جرار، طبعة دار الغرب الإسلامي، بيروت 1982/1402.
|
|
|
الترجمة
|
|
الاسم
:
|
عبد الله بن محمد بن السيد النحوي أبو محمد بن البطليوس
|
|
الكنية
:
|
أبو محمد
|
|
اللقب
:
|
|
|
عرقه
:
|
|
|
الترجمة
:
|
61
|
|
النص
:
|
عبد الله بن محمد بن السيد، بكسر السين، النحوي البطليوسي: سكن بلنسية، شيخ الأدباء في وقته، مقدم في علم النحو و اللغات، و الآداب و الشعر و البلاغة و له شعر حسن جيد الضبط متقنا، و له مصنفات ملاح في شرح أدب الكتاب و شعر المعري، و ألف كتابا كبيرا في شرح الموطأ سماه بالمقتبس كثير الفائدة و كتاب سبب اختلاف الفقهاء و غير ذلك.
يروي عن أخيه و عن أبي بكر بن عاصم البطليوسي و أبي سعيد الوارق و أبي علي الغساني الحافظ و غيرهم.
و من شعره: ( الطويل)
أخو العلم حي خالد بعد موتــــه و أوصاله تحت التراب رميم
و ذو الجهل ميت و هو ماش على الثرى يظن من الأحياء و هو عديم
أجازني جميع رواياته و تصانيفه و توفي، رحمه الله، ببلنسيةفي رجب سنة إحدى و عشرين و خمسمائة، موله سنة أربع و أربعين و أربعمائة.
عبد الله بن محمد بن السيد النحوي : من أهل بطليوس يكنى أبا محمد سكن بلنسية
روى عن أخيه علي بن محمد وأبي بكر عاصم بن أيوب الأديب وعن أبي سعيد الوراق وأبي علي الغساني وغيرهم . وكان عالما بالآداب واللغات مستبحرا فيهما مقدما في معرفتهما واتقانهما يجتمع الناس إليه ويقرؤون عليه ويقتبسون منه . وكان حسن التعليم جيد التلقين ثقة ضابطا وألف كتبا حسانا منها : كتاب الاقتضاب في شرح أدب الكتاب وكتاب التنبيه على الأسباب الموجبة لاختلاف الأمة . وكتابا في شرح الموطأ . إلى غير ذلك من تواليفه . كتب إلينا بجميع ما رواه وألفه غير مرة
وأنشدنا أبو الطاهر محمد بن يوسف صاحبنا قال : أنشدني أبو محمد بن السيد لنفسه أخو العلم حي خالد بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميم
وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى ... يظن من الأحياء وهو عديم
قرأتهما عليه بجامع قرطبة . وتوفي رحمه الله منتصف رجب الفرد من سنة إحدى وعشرين وخمسمائة . ومولده سنة أربع وأربعين وأربع مئة
- عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي، أبو محمد
إمام في اللغة والآداب سابق مبرز، وتواليفه دالة على رسوخه واتساعه ونفوذه وامتداد باعه.
مولده سنة أربع وأربعين وأربعمائة، وتوفى في رجب الفرد في عام إحدى وعشرين وخمسمائة.
وكان ثقة مأمونا على ما قيد وروى ونقل وضبط.
ترجمة ابن السيد البطليوسي للفتح بن خاقان.
و رأيت تأليفا بديعا للفتح صاحب القلائد والمطمح ضمنه التعريف بهذا الإمام ابن السيد خاصة وهأنا أورده بجملته لغرابته وفصاحته وبلاغته وإنْ كان فيه بعض ما هو من قبيل الهزل الذي الإعراض عند أول وقد جرت عادة الأشياخ بذكر مثل ذلك وحسبك ما ذكره الإمام السيوطي آنفا في حق ابن السيد. وقد اغتفر الناس المقامات مع ما فيها من سخيف المقالات والأعمال بالنيات.
قال ذو الوزارتين الكاتب أبو نصر الفتح بن عبيد الله المعروف بابن خاقان رحمه الله: أما بعد حمد الله الذي جعل الليل لباسا وأزال عن قلوبنا شكا والتباسا وأرانا من الهدى منارا وجعل لنا من الشجر الأخضر نارا وخلقنا أطوارا وأطلع لنا شموسا وأقمارا تدل على حكمته ويستدل بها على مقدار نعمته.
و الصلاة على نبيه الذي بعثنا من مرقد الضلالة وجلى عنا غياهب الجهالة فظهر الرشاد بعد احتجابه وتوارى الغي في حجابه صلى الله عليه وسلم تسليما.
فإني لمّا فرغت من الكتاب الذي أبديت به للإحسان مبسما وجعلته لمحاسن الثمان موسما وجلوت فيه أبكار المفاخر وعونها وخصصت به نكت المآثر وعيونها وشعشعت فيه المحاسن وروقتها وفتقت فيه كمائم البدائع وشققتها حتى أتت أزهى من الحديقة وأبهى من ملك النعمان بين الشقيقة يتمنى السحر أنْ يحلها والعيون النجل أنْ تكحلها فصارت به لأهل الأندلس ألسن مفتخرة وانتشرت لمعاليهم عظام نخرة ورأيت فيه فضل الأواخر على الأوائل وجريت به أمام سبحان وائل وملكت بسببه كل قياد وتركت ورائي قس أياد وكان لي فيه أمل ثناني أنْ يجلى وعداني أنْ ينص ويتلى فطويته طي السجل ولويته لي محيا الخجل وتركته كالبدر في السرار وأخفيته كما خفي في الغمد ماضي الغرار والخواطر تهيم به أعظم هيم وتستمطره استمطار المحل المديم والنفوس تتشوف إليه تشوف الضال للمرشد والآذان تصيخ إليه إصاخة الناشد للمنشد وأنا أجعل لقاحه حيالا ولا أريه طيف ولا خيالا ثم خشيت أنْ يكسو الزمان جوهره عرضا ويتخذ الحدثان بدره غرضا فتمحى من وجه الزمان غرته وتسقط عن جبين الدهر درته وما لمح منه عنان ولا شيم منه ما فيه سلوان فتذوب النفوس عليه كمدا و تحشى عيون الذكاء بعده رمدا فرأيت أنْ أستخرج من أخباره خبرا يدل عليه دلالة اللفظ على المعنى واللحظ على المغنى وينبئ عنه إنباء النسيم على الزهر ويشير إليه إشارة الشاطئ إلى النهر.
و لمّا كان الفقيه الأجل أبو محمّد عبد الله بن السيد أدام الله علوه تاج مفرقه وهلال أفقه ومهب نفح صواره ومحلى أنواره ومجلى أنجاده وأغواره وكنت قد أحكمت نسق أخباره وسردها وفوفت مطرفها وبردها وأطلعتها قمرا وجعلتها سمرا إذ هو أزخر علمائنا بحرا وأوسعهم نحرا وأحسنهم خواطر وأكسبهم مواطر وأسيرهم أمثالا وأعدمهم مثالا وأصدقهم لسانا وأعمهم إحسانا وأرفعهم راية وأبعدهم راية وأبعدهم غاية ومحاسنه أعذب جماما وأصفى غماما وأظهر إعجازا وأحسن صدورا وأعجازا رأيت أنَّ أفرد كتابا في أخباره وأجرد ذبابا في إعظامه وإكباره ليبين به فضل من ضمنته تصنيفي ويعلم بأخباره ما أودعت في تأليفي ويرى أنه قطرة من غمام ودرة من نظام وصبح يدل على نهار ونفح صدر عن حدائق وأزهار.
و الله المولى العون والكفيل بالكلاءة والصون لا رب غيره.
الفقيه الحافظ الإمام الأوحد أبو محمّد هو عبد الله بن محمّد بن السيد البطليوسي وشلب بيضته ومنها كانت حركة أبيه ونهضته وفيها كان قرارهم ومنها نم آسهم وعرارهم و نسب إلى بطليوس لمولده بها ومن حيث كان فقد طبق الأرض علما وملأها ذكاء وفهما.
و أنا أقول : لو أنَّ للأيام ألسنا ناطقة وأوصافا متناسقة تردد فنون بيانها كالطير ترجع على أفنانها ما جرت إلى إنصافه ولا درت بعض أوصافه ولو أني أمددت ببيان سحبان وأيدت تأييد لسان حسان وأغراني ابن صوحان الفصاحة وعلمني خالد بن صفوان إيضاحه لمّا أعربت عن مقداره الرفيع ولا أغربت بما أنحوه له من التعظيم والترفيع فكيف بلسان قد فل غراره وبنان قد ذوى رنده وعراره وخاطر قد ارتمى في لجج الأخطار ووخز بأطراف القنا الخطار فما تذل له عصي إحسانه ولا تحل النوائب عقدة من لسانه فحسبي أنْ أقتصر من وصفه على لمحة وأعطر من عرفه بنفحه فأقول: إنَّه ضارب قداح العلوم ومجيلها وغرة أيامنا البهيمة وتحجيلها لو أدركه قيس لمّا قضى للحلم وترا ولا شفعا ولو عاصره ابن العاصي لمّا ادعى ضرا ولانفعا حلب الدهر أشطره وتلا حروفه وأسطره وخدم الرياسات وعلم طرق السياسات ونفق وكسد ووقف وتوسد . وهو اليوم شيخ المعارف وإمامها ومن في يديه مقودها وزمامها لديه تنشد ضوال الأعراب وتوجد شوارد اللغات والأعراب إلى مقطع دمث ومنزع في النفاسة غير منتكث وندى خرق به العوائد وأورق عوده في يد الرائد وعفاف كف حتى عن الطيف وحكى المحرمين بالخيف ولقد نزلت منه بالتقي الطاهر ولقيت منه ما لقي عوف بن محلم من ابن طاهر ورأيت نار مكارمه تتألق وبت كأنما على النار الندى والمحلق وله تحقيق بالعلوم الحديثة والقديمة وتصرف في طرقها المستقيمة ما خرج بمعرفتها عن مضمار شرع ولا نكب عن أصل للسنة ولا فرع. وتواليفه في الشروحات وغيرها صنوف وهي اليوم في آذان الأيام شنوف. فمنها المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس والاقتضاب في شرح أدب الكتاب . وكتاب التنبيه على السبب الموجب لاختلاف العلماء في اعتقاداتهم وآرائهم وسائر أغراضهم وأنحائهم وغير ذلك مما يشتمل عليه هذا الموضوع ويخفيه ويوقف على تفسيره فيه.
و قد أثبت من محاسنه التي تدور جريالا ويصير الحبر بقصتها نيالا وما ينشي ويسكر ويحمده الوسمي المبكر.
فمن ذلك أنَّه حضر مع القادر بالله بن ذي النون بمجلس الناعورة بطليطلة في المنية المتناهية البهاء والإشراق المباهية لزوراء العراق التي ينفح شذاها العطر ويكاد من الغضارة يمطر والقادر بالله رحمه الله قد التحف الوتار وارتداه وحكم العقار في جوده ونداه والمجلس يشرق كالشمس في الحمل ومن حواه يبتهج كالنفس عند منال الأمال والزهر عبق وعلى ماء النهر مصطبح ومغتبق والدولاب يئن كناقة إثر حوار أو كثكلى من حر الأوار والجو قد عنبرته أنواؤه والروض قد بللته أنداؤه والأسد قد فغرت أفواهها ومجت أمواهها فقال رحمه الله يصف الحال:
يا منظرا إنْ رمقت بهجته ... أذكرني حسن جنة الخلد
تربة مسك وجو عنبر ... و غيم ند وطش ما ورد
و الماء كاللازورد قد نظمت ... فيه اللآلئ فواغر الأسد
كأنما جائل الحباب به ... يلعب في حافتيه بالنرم
تراه يزهى إذا يحل به ال ... تادر زهو الكعاب بالعقد
تخاله إنْ بدا به قمرا ... تما بدا في مطالع السعد
كأنما ألبست حدائقه ... ما حاز من شيمة ومن مجد
كأنما جادها فروضها ... بوابل من يمينه رغد
لا زال في عزة مضاعفة ... ميمم الرفد واري الزند
و له يصف فرسا وهو مما أبدع في التمثيل له والتشبيه ونبه خاطره فيه أحسن تنبيه وخلع عليه شيات لاحق والوجيه وعمه بالمحاسن وتوج ونسبة إلى الخاطر أعوج:
وأقب من آل الوجيه ولاحف ... قيد العيون وغاية المتمثل
ملك النواظر والقلوب بحسنه ... فمتى ترق العين فيه تسهل
ذو منخر رحب وزور ضيق ... و سماوة خضب وأرض ممحل
قصرت له تسع وطالت أربع ... وصفت ثلاث منه للمتأمل
و تراه أحيانا لعزة نفسه ... يرنو بلا قبل بعين الأقبل
و كأنما سال الظلام بمتنه ... و بدا الصباح بوجهه المتهلل
و كأن راكبه على ظهر الصبا ... من سرعة أو فوق ظهر الشمأل
و له يصف فرسا للظافر عبد الرحمن بن عبيد الله بن ذي النون رحمه الله:
و أدهم من آل الوجيه ولاحق ... له الليل لون والصباح حجول
تحير ماء الحسن فوق أديمه ... فلولا التهاب الخصر ظل يسيل
كأن هلال الفطر لاح بوجهه ... فأعيننا شوقا إليه تميل
كأن الرياح العاصفات تقله ... إذا ابتل منه محزم وتليل
إذا الظافر الميمون في متنه علا ... بدا الزهو في العطفين منه يجول
فمن رام تشبيها له قال موجزا ... و إنْ كان وصف الحسن منه يطول
هو الفلك الدوار في صهواته ... لبدر الدياجي مطلع وأوفل (أفول )
و ما أبدع قوله في وصف الراح والحض على النبذ للهموم والاطراح بمعاطاة كئوسها وموالاة تأنيسها ومعاقرة دنانها واهتصار ثمار الفتوة وأفنانها والإعراض عن الأيام وأنكادها والجري في ميدان الصهوة إلى أبعد آمادها:
سل الهموم إذا نبا زمن ... بمدامة صفراء كالذهب
مزجت فمن در على ذهب ... طاف ومن حبب على لهب
و كأن ساقيها يثير شذا ... مسك لدى الأقوام منتهب
و لله هو فقد ندب إلى المندوب وذهب إلى مداواة القلوب من الندوب وإبرائها من الآلام وإهدائها كل تحية وسلام وابهاجها بآصال وبكر وعلاجها من هموم وفكر في زمن حلي عاطله وجلى في أحسن الصور باطله ونفقت محالاته وطبقت أرضه وسماءه استحالاته فليبد ( لبيبه ) كأسد وذيبه مستأسد وأحفاشه تنمر وبغاثه قد استنسر استراحة إلاّ في معاطاة حميا ومؤاخاة وسيم المحيا وقد كان ابن عمار ذهب مذهبه وفضضه بالإبداع وذهبه حين دخل سرقسطه ورأى غباوه أهلها وتكاثف جهلها وشاهد منها من لا يعلم معنى ولا فصلا وواصل من لا يعرف قطعا ولا وصلا فأقبل على راحه يتعاطاها وعكف عليها ما تعداه ولا تخطاها حتى بلغه أنهم نقموا معاقرته للعقار وجالت ألسنتهم في توبيخه مجال ذي الفقار فقال:
نقمتم على الراح أدمن شربها ... و قلتم فتى راح وليس فتى مجد
و من ذا الذي قاد الجياد إلى الوغى ... سواي من أعطى الكثير ولم يكد
فديتكم لم تفهوا السر إنما ... قليتكم جهدي فأبعدتم جهدي
و دخل ليلة إلى مجلس قد احتشد فيه الأنس والطرب وقرع السرور نبعه بالغرب ولاحت نجوم أكواسه وفاح نسيم رنده وآسه وأبدت صدور أباريقه أسرارها وضمت عليه المجالس أزرارها والراح يديرها أهيف وأوطف والأماني تجنى وتقطف فقال:
يا رب ليل قد هتكت حجابه ... بمدامة وقادة كالكوكب
يسعى بها أحوى الجفون كأنها ... من خده ورضاب فيه الأشنب
بدران : بدر قد أمنت غروبه ... يسعى ببدر جانح للمغرب
فإذا نعمت برشف بدر غارب ... فانعم برشفة طالع لم يغرب
حتى ترى زهر النجوم كأنها ... حول المجرة ربرب في مشرب
و الليل منحفز يطير غرابه ... و الصبح يطرده بباز أشهب
و قال يمدح بعض الأعيان وهي قصيدة اشتملت على المحاسن اشتمال الليل وانفردت بالمحاسن انفراد سهيل ودرت فيها أخلاف الإبداع وزرت عليها جيوب الانقطاع وأفصح فيها لسان الإحسان وسح عليها عنان الافتنان فجاءت بالإغراب محفوفة ولاحت كالخريدة المزفوفة.
وسمعت السيئ الاعتقاد الغبي الفهم والانتقاد الكافر الملحد النافر لمن يعظم الله ويوحد الذي ما نطق متشرعا ورمق متورعا ولا أقر بباريه ولا أقر عن جريه في ميدان الغي وتباريه بدعى مدحه ويقول: أنَّه إليه بعث نفحها وإنَّه الذي افتض عذرتها وقطف زهرتها. وحاشا لقائلها أنْ يمدح المذموم وينضح بكوثرها نفح سموم أو يشرف بها وضيعا ويرضع ثديها من غذا للؤم رضيعا وهي:
أما إنَّه لو لا الدموع الموامع ... لمّا بان مني ما تجن الأضالع
و كم هتكت ستر الهوى أعين ألمها ... و هاجت لي الشوق الديار البلاقع
خليلي مالي كلما لاح بارق ... تضلى الحشا وارفض مني المدامع
هل الأفق في جبيني بالبرق لامع ... أم المزن في جفني بالودق هامع
ففي القلب من نار الشجون مصايف ... و في الخد من ماء الشئون مرابع
و ما هاج هذا الشوق إلاّ مهفهف ... هو البدر أو بدر الدجى منه طالع
إذا غاب يوما فالقلوب مغارب ... و إنْ لاح يوما فالجيوب مطالع
يضرج خديه الحياء كأنما ... بخديه من فتك الجفن وقائع
رماني عن قوس المحاجر لحظه ... بسهم غدا من مهجتي وهو وادع
و ما زلت من ألحاظه متوقيا ... و لكنه ما حم لا بد واقع
يرق فتور اللحظ منه كأنه ... إلى قلبه من قسوة الهجر شافع
كما رق بالآداب طبع محمّد ... فحاكت لمى الأحباب منه الطبائع
رخيم حواشي الطرف حلو كأنه ... سجايا أيام السرور الرواجع
أبا بكر استوفيت زهر محاسن ... تنافسها زهر النجوم الطوالع
قدحت زنادا من ذكائك لم يزل ... ينير فتعشى البارقات اللوامع
و ما ذلك عن نيل لديك رجوته ... فيصدق ظن أو يكذب طامع
و لا أنا ممن يرتضي الشعر خطه ... فتجذبه نحو الملوك المطالع
و لكن قلبا بين جنبي قد غدا ... يجاذبني فيك الهوى وينازع
طوى لك من محض الوداد كمائنا ... تبدت لها فوق اللسان طلائع
أنَّ أزعم في نظم البديع ولم يزل ... لك السبق فيه والورى لك تابع
و أي مقال لي وقولك سائر ... و أي بديع لي ومنك البدائع
و قال يتغزل وتصرف فيه غيلان مي ووصف كل حواء وحي وذكر العشق وارتاد الإبداع حتى عدا به مصره فأجاد معانيه وأشاد مبانيه:
تأوبه من همه ما تأوبا ... فبات على جمر الأسى متقلبا
مرت مزن عينيه غداة تحملوا ... عواصف ريح الشوق حتى تصببا
دموع هتكن الستر عن مضمر الجوى ... و أبدين من سر الهوى ما تغيبا
خليلي مالي كلما لا بارق ... تذكرت برقا بالعقيق وزينبا
أؤنس بالنائين نوما مشردا ... و أطمع بالثاوين قلبا معذبا
و من لي برد الخل إذ جدت النوى ... به وبوصل الحبل أنْ يتقضبا
أفي كل حين أمترى غرب مقلة ... أبى الوجد إلاّ أنْ تجود فتغربا
إذا عن لي ظبي بوجرة شادن ... تذكرت من عنى الفؤاد وعذبا
و أرتاح للأرواح من نحو أرضها ... و تثني عنان للصبا نفحة الصبا
و لولا التهاب الشوق بين جوانحي ... لأمرع خدي بالدموع وأعشبا
ألا قاتل الله الهوى كيف قادني ... إلى مصرعي طوعا وقد كنت مصعبا
و ما كنت أخشى أنْ أبيت معذبا ... بعذب رضاب من حمى الثغر أشنبا
و خد الاقي دون شم رياضه ... من اللحظ هنديا وللصدغ عقربا
أجدك لم تبصر تألق بارق ... يجد نشاطا في ذرى الأفق أهدبا
إذا ما بدا في الجو أحمر ساطعا ... حسبت الظلام ابنوسا مذهبا
كأن الرياض الحو غب سمائه ... تردين وشي العبقري المخلبا
كأن الشقيق والفجر ساطع ... خدود زهاها الحسن أنْ تتنقبا
تمتع بريعان الشباب وظله ... فلا بد يوما أنْ يبينا ويذهبا
فما العيش إلاّ أنْ تروح وتغتدي ... محبا براه سقمه أو محببا
و كتب إلى الكاتب أبي الحسن راشد يستدعيه إلى مجلس قد لاحت قد لاحت شموس مدامه وارتاحت نفوس ندامه وتأودت تأود الغصون قدود خدامه:
عندي مشكود من الخمر مبق
فيه مني مصطبح ومغتبق
يحكي شذا المسك إذا المسك فتق
كأنه من خلقك الحلو خلق
كأنما كئوسه تحت الغسق
في راحة الساقي نجوم تأتلق
تخالها وهي تلظي كالحرق
أحشاء صب ملئت من الحرق
ترى لدى المزج إذا الماء انفق
فيها حبابا لاح كالدر النسق
و أنت أنسي والمفدى بالحدق
فاطلع طلوع القمر التم اتسق
في يومنا هذا إذا الظهر نطق
يا راشدا إذا دجى الغي غسق
و ماجدا حاز السبق السبق
لله معنى طابق اسما لك حق
توافقا فيك إذا الاسم اتفق
فراجعه راشد:
لبيك من داع إلى العيش الغدق
في سجسج من ظله غض الورق
ندير صفو الراح صرفا قد عتق
و شبهها لونا وطعما وعبق
و كان يجلى في ملاء من فلق
تحسده من حسنه بيض السرق
ثم كساه السهد ثوبا من شفق
بل من إياة الشمس من غير رنق
كأنه من خد من أهوى استرق
كأنه بريقه العذب فتق
فجاء يشفي من جوى ومن حرق
أحلى من الأمن أتى بعد الفرق
رضيته مصطحبا ومغتبق
على رياض أدب ذات أنق
أجين ما أهوى وأذهبن القلق
عند فتى ندب عبير الخلق
مؤتزر بالمكرمات منتطق
إنْ قال قد سدت الورى قيل صدق
و قال يصف مجلس أنس وتصرف في وصفه سقاته وإقبال الصبح لميقاته ومدح الراح بأحسن أسمائها وطلوع الفجر هازما لدجى ليلتهم وظلمائها وإيقاظ أصحابه من نومه وترغيبه لهم في اصطباح يومهم:
صاح بنه كل صاح يصطبح ... فضلة الزق الذي كان اغتبق
قهوة تحكي الذي في أضلعي ... من جوى الحب ومن لفح الحرق
بيدي ساق ترى في طوقه ... بدر تم في تجلى في غسق
خلتها إذ غربت في ثغره ... شمسها أبقت بخديه شفق
أفرغ الماء عليها فحكت ... ذائب الإبريز أو ذوب ورق
إنْ مسك الليل قد أعقبه ... من سنى الإصباح كافور عبق
فكأن الفجر عين تفجرت ... و كأن الليل زنجي غرق
و كأن الأنجم الزهر مها ... راعه السرحان صبحا فاقترق
و قال في الزهد وهو غرض قد أكثر القول فيه والضارعة لباريه وراش أنواعه وبرى وجلب فنونه ومرى وذلك مما يدل على ورعه وصفاء منهله التقي ومشرعه فكثيرا ما يعلن به ويسر ويطلع على لسانه متمما ولا يستسر:
إلهي إني شاكر لك حامد ... و إني لساع في رضاك وجاهد
و إنك مهما زلت النعل بالفتى ... على العائد التواب بالعفو عائد
تباعد مجدا وانيت تعطفا ... و حلما فأنت المدني المتباعد
و مالي على شيء سواك معول ... إذا دهمتني المعضلات الشدائد
أغيرك أدعو لي إلها وخالقا ... و قد أوضح البرهان أنك واحد
و قدما دعا قوم سواك فلم يقم ... على ذاك برهان ولا لاح شاهد
و بالفلك الدوار قد ضل معشر ... و للنيرات السبع داع وساجد
و للعقل عباد وللنفس شيعة ... و كلهم عن منهج الحق حائد
و كيف يضل القصد ذو العلم والنهى ... و نهج الهدى من كان نحوك قاصد
و هل في التي طاعوا لها وتعبدوا ... لأمرك عاص ولحقك جاحد
و هل يوجد المعلول من غير علة ... إذا صح فكر أو رأى الرشد راشد
و هل غبت عن شيء فينكر منكر ... وجودك أم لم تبد منك الشواهد
و في كل معبود سواك دلائل ... من الصنع تنبني أنَّه لك عابد
و كل وجود عن وجودك كائن ... فواجد أصناف الورى لك واجد
سرت منك فيها وحدة لو منعتها ... لأصبحت الأشياء وهي بوائد
و مولك في خلق الورى من دلائل ... يراها الفتى في نفسه ويشاهد
كفى مكذبا للجاحدين نفوسهم ... تخاصم إنْ أنكروا وتعاند
و قال يمدح الظافر عبد الرحمن بن عبيد الله بن ذي النون وهو مدح طايق الممدوح ووصف شاكله كالروض والغمام السفوح فنظم الدر بأبهى جيد ولد الفخر أعلى مجيد ووضع العلق في يدي مميزه وأجرى الجواد في ميدان مجوزه لم يحمل إلى غير موضع نفاق ولا شام به مخيله ذات إخفاق فإنه كان أندى من الغيث وأمضى من الليث وأذكى من الجسام وأبهى من البدر ليلة التمام حتى خاض هولا لم يسر فيه إلى صبح وسلك شعبا لم ينش منه بريح فصافح المنايا وطلع له غير معهود الثنايا والشعر قوله:
لعلكم بعد التجنب والهجر ... تديلون من بعد وتشفون من ضر
فإن الذي غادرتم بين أضلعي ... يزيد مر الزمان ويسترشي
و لم تنبكم عني النوى غير أنكم ... رحلتم من اللجفن القريح إلى الفكر
و من عجب أني أسائل عنكم ... و منزلكم بين الجوانح والصدر
و استعطف الأيام فيكم لعلها ... تعيد الليالي السابقات كما أدري
وأطمع منها في الوصال ولم أزل ... عليما بما يؤثر من شيم الغدر
و يوحشني الزمان لنأيكم ... و إنْ كنت مأنوس الجوانح بالذكر
و لم أنس إذ صدت كما صد شادن ... غرين من الربعي أوجس من ذعر
تميس كما ماس القضيب على القنا ... و ترنو كما أغضى الشريف من السكر
و ما زلت صبا بالغواني تصيدني ... ذوات الثنايا الغر والأوجه الزهر
و عندي أحشاء ملئن صبابة ... كألحاظ أجفان ملئن من السحر
و لوعة وجد ما تفيق وظمأة ... لأشنب معسول اللمى طيب النشر
و كم في كناس السمهرية من رشا ... أغن يقيم العذر في الخلع للعذر
و أهيف يثنيه النسيم إذا جرى ... فلو شاء من لين تختم في الخصر
و ساحرة الألفاظ لو أنها دعت ... بنغمتها ميتا للبى من القبر
حسرت القناع الستر فيها ولم يكن ... يطيب النوى يوما لمن دان بالستر
و لله ليل باللوى أبعد الجوى ... و قرب نحرا من مشوق إلى نحر
فما شئت من شكوى أرق من الهوى ... و ما شئت من نجوى ألذ من الخمر
سرت لم تمس الطيب عجبا بحسنها ... و قد أفعمت عرض البسيطة بالعطر
فقلت: عبيد الله أو نجله سرى ... فذكرني ذارين أو بت بالشحر
كأن ضياء الصبح في الليل إذ سرى ... بصيرة إيمان سرت في عمى كفر
كأن مها في الأفق ريعت وقد بدا ... لها ذنوب السرحان من وضح الفجر
كأن سنى الشمس المنيرة إذ بدا ... كسا ورق الإصباح ذؤبا من التبر
و إلاّ فوجه الظافر الملك انجلى ... فجلى ظلام النقع في الجحفل المجر
عجبت لأيام تداعت خطبها ... لتثلم من غربي وتقدح في وفري
و لم تدر أني في حمى الظافر الرضا ... أرد العدى عني بصمصامتي عمرو
حللت جنابا منه مد
ظلاله ... علي وأعطاني أمانا من الدهر
جناب بكت فيه غمائم جوده ... فأضحكن روض المجد عن زهر الشكر
و كم نلت مذ أصبحت ألثم كفه ... بيمناه من يمن ويسراه من يسر
لدي ملك ما لاح ضوء جبينه ... بجنح الدجى إلاّ كفى مطلع البدر
و متقد الآراء جال في الوغى ... بخاطره أغنى عن البيض والسمر
و لولا اضطرام البأس فيه غدا القنا ... براحته يهتز بالورق الخضر
أرى عابد الرحمن رحمة من قست ... عليه الليالي أمن من ريع بالفقر
و كعبة آمال كثيرا حجيجها ... لها حرم فيه مشاعر للشعر
له من حجاه بالسماحة آمر ... و من حلمه ناه عن اللغو والهجر
فتى لم يشمر قط إلاّ عنا له ... عداه وساق الحرب مسبلة الأزر
و لم يعترك بخل بميدان عدله ... و جدواه إلاّ فاز جدواه بالنصر
أبا عامر زلت للمجد عامرا ... فإنك وسطى العقد في عنق الفخر
و قمت العدا عني برأفة ماجد ... و غمر نوال سر إذ ساء ذا الغمر
و أوسعت نعمى ضقت ذرعا بحملها ... فإن خففت عمري لقد أثقلت ظهري
و لمّا ارتقت بي في سمائك همتي ... غدا أخمصي فوق النعائم والنسر
فحييت شمس الملك في فلك العلا ... و شمت سحاب الجود في بارق البشر
أيرجو ضلالا أنْ يناويك حاسد ... و قد حزت خصل السبق وهو على الإثر
و أرسى عبيد الله بيتك في العلا ... و طنبه بين السماكين والغفر
و أصبحت كالمأمون تقنو سبيله ... كأنك موسى تقتفي أثر الخضر
و ما علت صبرا حين قلدك العلا ... و جاء بأمر من بدائعه أمري
فلله ما شادوا وشدت من العلا ... و لله ما حازوا وما حزت من ذكر
نظمت شتيت الملك بالعدل والتقي ... و قمت بحق الله في السر والجهر
و جاءك صوم إثر فطر قضيته ... بحظين من سعد جزيل ومن أجر
و أدبر سقم عنك بشر جسمه ... بإقبال نعمى واتصال من العمر
سيملأ شكرى كل قطر تحله ... بنشر ثناء عنك أذكى من العطر
و تبقى لكم بين الضلوع محبة ... ألاقي بها الرحمن في موقف الحشر
و كتب إلى ذي الوزارتين أبي عيسى بن لبون:
قم نصطبح من قهوة بكر ... حتى نرى صرعى من السكر
أنف تنساها الورى حتى ... لم تجر في بال ولا ذكر
فترى الدنان وما حوت منها ... كجوانح طويت على فكر
نفحت فقلت المسك أو ما قد ... أحيا أبو عيسى من الذكر
لا شيء يحكى طيبها إلاّ ... شيم عذاب منه أو شكري
ما زلت أخبر من محاسنه ... قدما بعرف ليس بالنكر
و أحن نحو لقائك طربا ... كالطير إذ جنت إلى وكر
فالآن شاهدت الذي يحكى ... و لقيت فيه الفضل للشكر
و كان أبو عيسى ممن رأس وما شف ووكف جوده وما كف وأعاد سوق البدائع نافقه ورفع الآمال راية من الندى خافقة وأوردهم منها جوده معينا وزف لهم من مبراته أبكارا وعونا فلما بلغته قوله هذا وسمعه استنبله واستبدعه؛ وأحضره إلى مجلس نام عنه الدهر وغفل، وقام لفرط أنسه واحتفل؛ قد بانت صروفه، ودنت في الزائرين قطوفه؛ وقال هلم بنا إلى الاجتماع بمذهبك، والاستمتاع بما شئته ببراعة أدبك؛ فأقاموا يعملون كأسهم، ويصلون إيناسهم؛ وباتوا ليلهم ما طرقهم نوم، ولا عداهم عن طيب اللذات سوم.
و دخل سرقسطة أيام المستعين بالله وهي جنة الدنيا، وفتنة المحيا؛ ومنتهى الوصف وموقف السرور والقصف؛ ملك نمير البشاشة، كثير الهشاشة؛ وملك بهج الفناء، أرج الأرجاء؛ يروق المحتلى، ويفوق النجم المعتلى؛ وحضرة منسابة الماء، منجابة السماء؛ يبسم زهرها، وينساب نهرها؛ وتتفتح خمائلها، وتتوضع (تتضوع) صباها وشمائلها؛ والحوادث لا تعترضها، والكوارث لا تق
ترضها؛ ونازلها من عرس إلى موسم، وآملها متصل بالأماني ومتسم؛ فنزل منها في مثل الخورنق والسدير، وتصرف فيها بين روضة وغدير؛ فلم يخف على المستعين اختلاله، ولم تخف لديه خلاله؛ فذكره معلماً به ومعرفاً، وأحضره منوها له ومشرفاً ؛ وقد كان فر من ابن رزين، فرار السرور من نفس الحزين؛ وخلص من اعتقاله، خلوص السيف من صقاله؛ فقال يمدحه:
هم سلبوني خنس ( حسن) صبري إذ بانوا ... بأقمار أطواق مطالعها بان
لئن غادروني باللوى إنَّ منجتي ... مسايرة أظعانهم حيث كانوا
يقى عهدهم بالخيف عهد غمائم ... ينازعها مزن من الدمع هتان
أأحبابنا هل ذلك العهد راجع ... و هل لي عندكم آخر الدهر سلوان
و لي مقلة عبرى وبين جوانحي ... فؤاد إلى لقياكم الدهر حنان
تنكرت الدنيا لنا بعد بعدكم ... و حفت بنا من معضل الخطب ألوان
أناخت بنا في أرض شنت مريةٍ ... هواجس ظن خن والظن خوان
و شمنا بروقا للمواعيد أتعبت ... نواظرها دهراً، ولم يهم هتان
فسرنا وما نلوي على متعذر ... إذا وطن أقصاك آوتك أوطان
و لا زاد إلاّ ما انتشته من الصبا ... أنوف وحازته من الماء أجفان
رحلنا سوام الحمد عنها لغيرها ... فلا ماؤها ضدا ولا النبت سعدان
إلى ملك حاباه بالمجد يوسف ... و شاد له البيت الرفيع سليمان
إلى مستعين بالإله مؤيد ... له النصر حزب والمقادير أعوان
جفتنا بلا جرم كأن مودة ... ثنى نحوها منها الأعنة شنآن
و لو لم تنفذ منا سوى الشعر وحده ... لحق لنا بر عليه وإحسان
فكيف ولم نجعل بها الشعر مكسبا ... فيوجب للمكدى جفاء وحرمان
و لا نحن ممن يرتضى الشعر خطة ... و إنْ قصرت عن شأوها فيه أعيان
و من أوهمته غير ذاك ظنونه ... فثم مجال للمقال وميدان
خليلي من يعدي على زمن له ... إذا ما قضى حيف علي وعدوان
و هل (راء ريء ) من قبلي غريق مدامع ... يفيض بعينيه الحيا وهو حران
و هل طرفت عين لمجد ولم تكن ... لها مقلة من آل هود وإنسان
فوجه ابن هود كلما أعرض الورى ... صحيفة إقبال لها البشر عنوان
فتى المجد في برديه بدر وضيغم ... و بحر وقدس ذو الهضاب وثهلان
من النفر الشم الذي أكفهم ... غيوث ولكن الخواطر نيران
ليوث شرى ما زال منهم لدى الوغى ... هزبر بيمناه من السحر ثعبان
و هل فوق ما قد شاد مقتدر لهم ... و مؤتمن بالله لقياه إيمان
ألا ليس فخري في الورى غير فخرهم ... و إلاّ فإنَّ الفخر زور وبهتان
فيا مستعينا مستعاناً لمن نبا ... به وطن يوما وعضته أزمان
كسوتك من نظمي قلائد مفخر ... يباهى بها جيد المعالي ويزدان
و إنْ قصرت عما لبس فربما ... تجاور در في النظام ومرجان
معان حكت غنج الحسان كأنني ... بهن حبيب أو بطليوس بغدان
إذا غرست كفاك غرس مكارم ... بأرضي أجنتك الثنا منه أغصان
و كان عند وصوله إلى ابن رزين قد رفعه أرفع محل وأنزله منزلة أهل العقد والحل؛ وأطلعه في سمائه، وأقطعه ما شاء من نعمائه، وأورده أصفى مناهل مائه، وحره مع خواص ندمائه؛ وكانت دولته موقف البيان، ومقذف الأعيان؛ ومحصب جمار الآمال، وأعذب موارد الاجمال؛ لو لا سطوته الباطشه، ونكباته البارية لسهام الرزء الرائشة؛ فقلما سلم منها مفاد الأموال، ولا أحمد عقباه معه صاحب ولا وال؛ فأحمد هو أوّل أمره معه، واستحسن مذهبه في جانبه ومنزعه؛ ولم يدر أنَّ بعد ذلك الشهد شرب علقم، وأنَّ السم تحت لسان ذلك الأرقم؛ فقال رحمه الله يمدحه:
عسى عطفة ممن جفاني يعيدها ... فتقضي لباناتي ويدنو بعيدها
فقد تعتب الأيام بعد عتابها ... و يمحى بوصل الغانيات صدودها
و كم للصبا عندي يد لست جاحدا ... لها إنَّ كفران الأيادي جحودها
ليالي أسرى في ليالي غدائر ... كواكبها حلي المها وخدودها
و أهصر أغصان القدود فتنثني ... عليّ برمان النحور نهودها
فلله ليل بت فيه كأنني ... بوجرة أغتال المها وأصيدها
أبيح ثغورا كالثغور ودونها ... أسنة ألحاظ قناها قدودها
تشابه منها ما حوته مباسم ... عذاب ولبات يروق فريدها
فإن تك من تلك العقود ثغورها ... و إلاّ فمن تلك الثغور عقودها
و حمراء حلاها المزاج فخلتها ... عقيلة خدر زين بالدر جيدها
بدت في دلاص من حباب وأشرعت ... سنان انسكاب والكئوس جنودها
فما برحت حتى كأن شروبها ... من السكر صرعى أنعستها حدودها
ترى شربها جنح الظلام كأنهم ... بها مصطلوا نار يشب وقودها
إذا أنكحوا من فضة الماء تبرها ... أتى اللؤلؤ المكنون وهو وليدها
كما أنكحوا البدلا استقامت سعوده ... هذيلا من الشمس استقامت سعودها
فجاءا بعبد الملك للملوك كوكبا ... ليحمي سماء المجد ممن يكيدها
رمى جنة الأعداء لمّا سموا لها ... بشهب القنا حتى استشاط مريدها
حلفت بعليا عابدا الملك ذي اللها ... و أيد له كالقطر جم عديدها
لئن كان قد أبلت هذيلا يد الدى ... فإن علاه ليس يبلى جديدها
و إنْ رفعت كفاه قبة مفخر ... فإنَّ قنا عبد الملك عمودها
فتى أحرز العليا، وحاز مدى الندى ... فما إنْ له من رتبة يستزيدها
سرى بارق من بشره غير خلب ... إلى أرض آمالي فأورق عودها
و بوأني من مجده في مكانة ... سعود النجوم الزاهرات صعيدها
فيا أيها المولى الذي أنا عبده ... و قدما رجا طول الموالي عبيدها
أصخ نحو حر الشعر من عبد أنعم ... بدائعه ما زال منك يفيدها
قوافً تروق السامعين كأنما ... تحلى سجاياك الحسان قصيدها
و لولاك أضحت أرض شنت مريةٍ ... مناخ خطوب لا ينادى وليدها
و ما زلت يقظان الجفون لرعيلها ... إذا أعين الأملاك طال هجودها
تكف الأذى عن أهلها وتحوطها ... و تبدي الأيادي فيهم وتعيدها
و قال يرثي الوزير الأجل، أبا عبد الملك بن عبد العزيز، وبنو عبد العزيز بهذا الشرق ، هم كانوا بدور غياهبه، وصدور مراتبه، وبحور مواهبه؛ نظمت فيهم المدائح، وعظمت منهم المنائح، ونفقت عندهم أقدار الأعلام، وتدفقت لديهم بحار الكلام؛ وخدمتهم الدنيا وبنوها، وأمنتهم الأيام ولم يأمنوها؛ فرقت جموعهم، وأخلت ربوعهم ونثرت سلكهم ومزقت ملكهم؛ وهدت مشيد بنائهم، واحتلت الحوادث في فنائهم؛ وبقي أبو عبد الملك هذا آخرهم، فأحيا مفاخرهم ؛ وكان بدر هذا الأفق وشمسه، وروح هذا القطر ونفسه؛ أبدى لذلك السنى لمعاً، وأعاد من تلك العلا جمعاً؛ إلى أنْ دب إليه الحمام واستسر بدره بعد التمام؛ والقصيدة:
فؤادي قريح قد جفاه اصطباره ... و دمعي أبت إلاّ انسكابا غزاره
يسر الفتى بالعيش وهو مبيده ... و يغتر بالدنيا وما هي داره
وفي عبر الأيام للمرء واعظ ... إذا صح فيها فكره واعتباره
فلا تحسبن يا غافل الدهر صامتاً ... فأفصح شيء ليله ونهاره
أصخ لمناجات الزمان فإنه ... سيغنيك عن جهر المقال سراره
أدار على الماضين كأساً فكلهم ... أبيحت مغانيه وأقوت دياره
و لم يحمهم من أنْ يسقوا بكأسهم ... تناوش أطراف القنا واشتجاره
و غالت أبا عبد المليك صروفه ... و قد كان دهراً لا يباح ذماره
فأصبح مجفواً وقد كان واصلا ... وأمسى قصيا وهو دان مزاره
و لم أنس إذ أودى الحمام بنفسه ... فلم يبق إلاّ فعله وادكاره
إذا رقأت عيني استهلت شئونها ... لمأتم حزن قد أرن صواره
تجاوب هذى تلك عند بكائها ... كترجيع شول حين حنت عشاره
كأن لم يكن كالمزن يرهب صعقه ... عدو ويرجى في المحول انهماره
و دوحة عزٍ يستظل بظلها ... و روضاً من الآداب تجنى ثماره
أما وعلى مروان إنَّ مصابه ... أثار أسى تذكى على القلب ناره
فلا شرب إلاّ قد تكدر صفوه ... و لا نوم إلاّ قد تجافى غراره
فأي حياً للفضل أجلى غمامه ... و نظم العلياء حان انتثاره
خوى المجد من مروان وانهد طوده ... و جد بجد المكرمات عثاره
و ما خلت أنْ الصبح يشرق بعده ... لعين وإنَّ الروض يبقى اخضراره
فيا طود عز زلزل الأرض هده ... و بدر علا راع الأنام انكداره
هنيئا للحد ضم شلوك أنْ غدا ... عميد الندى والمجد فيه قراره
و لم أر دراً قط أصدافه الثرى ... و لا بدر ثم في التراب مغاره
فيا (عزاء)بني عبد العزيز وإنْ خلا ... من المجد مغناه وهد مناره
ففيكم لهذا الصدع آس وجابر ... و إنْ كان صعباً أسوه وانجباره
لكم شرف أرسى قواعد بيته ... أبو بكر السرى إليكم نجاره
أجل وزير عطر الأرض ذكره ... و أخجل زهر النيرات فخاره
فلو كان للعلياء جيد ومعصم ... لأصبح منكم عقده وسواره
و مما يستغرب له ويستبدع، ويشاد بذكره ويسمع ويعد مما ابتكر معناه واخترع؛ قوله في وصف طول الليل عليه، كابد منه ما عظم لديه.
ترى ليلنا شابت نواصيه كبرةً ... كما شبت أم في الجو روض بهارِ
كأن الليالي السبع في الأفق جمعت ... و لا فضل فيها بينها لنهارِ
وحضر عند الظافر عبد الرحمن بن عبيد الله بن ذي النون، رحمه الله ، مجلساً رفعت فيه المنى لوائها، وخلعت عليه الشمس أضوائها، وزفت إليه المسرات أبكارها، وفارقت إليه الطير أوكارها؛ فقال يصفه:
و مجلس جم الملاهي أزهرا
ألذ في الأجفان من طعم الكرى
لم تر عيني مثله ولا ترى
أنفس في نفس وأبهى منظرا
إذا تردى وشيه المصورا
من حوك صنعاء وحوك عبقرا
و نسج قرقوب ونسج تسترا
خلت الربيع الطلق فيه نورا
كأنما الإبريق حين قرقرا
قد أم لثم الكاس حين فغرا
وحشية ظلت تناغي جؤذرا
ترضعه الدر ويرنو حذرا
كأنما مج عقيقاً أحمرا
أوفت من رياه مسكاً أذفرا
أو عابد الرحمن يوماً ذكرا
فنم مسكاً ذكره وعنبرا
الظافر الملك الذي من ظفرا
بقربه نال العلاء الأكبرا
لو أنَّ كسرى راءه أو قيصرا
هلل إكباراً له وكبرا
تبدي سماء الملك منه قمرا
إذا حجاب المجد عنه سفرا
يا أيها المنضي المطايا بالسرى
تبغي غمام المكرمات الممطرا
و قال رحمه الله:
يغلو لساني فيكم وما أفك
فاهزز به عضباً إذا هز فتك
قائمه قلبي والغمد الحنك
و قال يتغزل أيام جرى في ميدان الصبا متهافتاً وأبدى له الجوى نفساً خافتاً؛ وهو من أبدع أنواع الاستعطاف، وأحسن من النور عند القطاف؛ خضع فيه لمحبوبه وذل، وهان له وابتذل؛ ورضى بما سامه من العذاب، وبذل نفسه في رشفة من ثناياه العذاب؛ وتشكى من جوره وحيفه، وبكى حتى من اجتناب طيفه؛ واستدعى رضاه، وخلع ثوب التناسك ونضاه؛ ونحا في استلطافه أرق منحى وتصام عن قول من عذل ولحى؛ وهذا غرض من كواه الغرام وسبيل من رام من الوصال ما رام؛ فما مع الهوى عز ولا صبر، وما هو إلاّ ذل أو قبر.
و القطعة:
أبا عامرٍ أنت الحبيب إلى قلبي ... و إنْ كنت دهراً من عتابك في حربِ
أ تعرض حتى بالخيال لدى الكرى ... و تبخل حتى بالسلام مع الركب
كأني أخو ذنبٍ يجازي بذنبه ... و ما كان لي غير المودة من ذنبِ
فيا ساخطاً هل من رجوع إلى الرضا ... و يا نازحاً هل من سبيل إلى القرب
و يا جنة الفردوس هل يقطع العدا ... بجريالك المختوم أو مائك العذبِ
و يا بائناً بان العزاء بينه ... فأصبحت مسلوب العزيمة والقلبِ
أذقني بالعتبى جنى النحل منعماً ... فإنك قد جرعتني الصاب بالعتبِ
و كنت أرى الهجران أعظم حادثٍ ... فقد صار عند البين من أصغر الخطب
أتتركني رهناً بأيدي حوادث ... غدوت لها نهبا وما كنت بالنهب
سأجعل عيدا يوم عودك يغتدي ... محياك فيه قبلة الهائم الصب
أقيم لواء الوصل في حلة الصبا ... به وأضحى بالصبابة والكرب
لك القلب ما فيه لغيرك منزل ... منحتكه فانزله بالسهل والرحب
و قال شاكيا مثل هذه الشكوى مخبرا بما يلقاه من البلوى:
خليلي هل تقضي لبانة هائم ... أم الوجد والتبريح ضربة لازم
فإني بما ألقى من الوجد مغرم ... كسال قلبي بائح مثل كاتم
و لي عبرات يستهل غمامها ... بخدي إذا لاحت بروق المباسم
كفى حزناً إني أذوب صبابةً ... و أشكو الذي ألقى إلى غير راحم
وأرتع من خديه في جنة المنى ... و يصلى فؤادي من هواه بجاحم
تقضي الصبا واللهو إلاّ حشاشة ... تجدد لي عهد الصبا المتقادم
كأني لم أقطع بصبح وقهوةٍ ... زماني ولم أنعم بأحور ناعم
و لا بت في ليل الغواية لائماً ... له تحت أستار الدجى وهو لاثمي
إذا ما أدار الكأس وهنا حسبته ... يدير هلالاً طالعاً في غمائم
أبا حسن إني بودك معصم ... فهل أنت يوماً من جفائك عاصمي
جعلتك في نفسي وقلبي محكماً ... لترضى فقد أصبحت أجور حاكم
أ تظلمني ودي وما زال فيكم ... قريع علي يرجى لرد المظالم
و قد كان فص الفجر في خنصر العلا ... أبوك ووسطى فوق جيد المكارم
و كم ضم ظهر الأرض منكم وبطنها ... بدور دجى من كل أشوس حازم
و أبلج فضفاض القميص حلاحل ... طويل نجاد السيف ماضي العزائم
و ما أذهلتني عن ودادك غيبة ... قدحت بها نار الأسى في حيازمي
و كم لي فيها نحوكم من تحية ... أحملها مرضى الرياح النواسم
إذا مر ذكر منك يوماً على فمي ... توهمته مسكاً سرى في خياشمي
دعاني إليك الشوق فاهتاج طائري ... ضحى بخوافٍ للهوى وقوادم
و لو إنني في ملحدي ودعمتني ... للبتك من تحت الصعيد رمائمي
سأصفيك محض الود ما هبت الصبا ... و ما سجعت في الأيك ورق الحمائم
و قال أيضاً جاريا على عادته في التشبيب، وسالكاً جادته من الخضوع للحبيب، إلاّ أنَّه اعتذر من الهوى في المشيب، وأنكر أخلاق الشبان على الشيب:
خليلي ما للريح أضحى نسيمها ... يذكرني ما قد مضى ونسيتُ
أبعد نذير الشيب إذ حل عارضي ... صبوت بأحداق المها وسبيتُ
و لي سكن أغرى بي الحزن حسنه ... جرئ على قتل المحب مقيتُ
تلاحظني العينان منه برحمةٍ ... فأحيا ويقسو قلبه فأموتُ
فيا قمراً أغرى بي النقص واكتسى ... كمالا ووافى سعده وشقيتُ
و ليت فرقي إذ وليت لهائمٍ ... سباه لمى كالشهد منك وليتُ
و جودي ببرد الوصل يا جنة المنى ... فإني بحر الوجد منك صليتُ
و كتب إليه الكاتب أبو الحسن راشد بن عريب يستدعيه إلى معاطاة قهوة، ساعات سلوة:
طربت إلى شمسية قد تروقت ... فأربت على الصهباء لوناً ورائحة
فلو أن فيها نقطة هندسيةً ... لباتت بها في ظلمة الليل بائحة
فكن مسعدي يا من سجاياه لم تزل ... و أخلاقه تغني عن المسك فائحة
فأجابه رحمه الله:
طربت فأطربت الخليل إلى الذي ... طربت له فالنفس نحوك جانحة
و كم أسكرتنا منك من غير قهوةٍ ... شمائل تغنينا عن المسك فائحة
فلله أيام بقربك أسعدت ... غوادٍ علينا بالسرور ورائحة
فساعاتي الطولي لديك قصيرة ... و صفقة كفي في التجارة رابحة
و قد يصف كتابا ورد عليه من محبوب كان هجره، ووعده فيه باللقاء وبشره:
نفسي فداء كتاب حاز كل مني ... جاء الرسول به من عند محبوب
مبشراً أنَّ ذاك السخط عاد رضاً ... و بدلت منه بعد بتقريب
حبيته (حسبته ) ناظراُ نحوي بناظره ... و مهديا لي ما في فيه من طيب
ظلت أطويه من وجد وانشره ... و كاد يلبيه تقبيلي وتقليبي
كم فبلةٍ لي في عنوانه عذبت ... و بردت بالتلظي حر تعذيب
كأنه حين جلى الحزن عن خلدي ... " قميص يوسف في أجفان يعقوب "
لو كل ما فيه من موعوده كذباً ... شفي فكيف بوعدٍ غير مكذوب
و كتب إليه بعض إخوانه متمثلا بقول القائل:
ودادكم كالورد ليس بدائم ... و لا خير فيمن لا يدوم له عهد
و ودي لكم كالآس حسنا وبهجة ... له خضرة تبقى إذا ذهب الورد
فراجعه بهذا الشعر:
لعمري لقد شرفت ودي بثلبه ... وصيرت لي فضلا عليك ومفخراً
صدقت: وداد الورد رطباً ويابساً ... و ماء إذا عصر الأزاهر أدبراً
و ودك مثل الآس ليس بنافع ... و لا نافحٍ إلاّ إذا كان أخضراً
ألم تر أنَّ الورد يكرم إنَّ ذوي ... و يطرح في الميضاة آس تغيرا
أفضلت عبد السوء جهلا على الذي ... غدا في الأزاهير الأمير المؤمرا
و كتاب إلى الكاتب أبي عبد الله بن أبي الخصال، يراجعه عن شعر خاطبه به:
بماذا أكافي ندبا كساني ... حلى من علاه بها قد حباني
و قلد جيدي من دره ... ما لم تقلد نحور الغواني
محاسن أصبح لي لفظها ... معاراً وأضحت لديه المعاني
فقل للذي حاز خصل المدى ... فليس يباريه في السبق ثاني
أهذي شمائلك الزاهرا ... ت أهديتها أم ثغور الحسان
أم الأنجم الزهر أطلعتها ... على أفق بسماء البيان
أم الوشى ما نمنمت راحتا ... ك أم الأعين الحور جاءت رواني
أم الروض بات نديم الغمام ... يسقيه من غير بنت الدنان
يضاحكه عن ثغور البروق ... و يشدوه من وعده بالأغاني
لئن زف ودك نحوي لقد ... غدا من فؤادك بأعلى مكان
و مهما أساءت بطول البعاد ... خطوب فقد أحسنت بالتداني
كأن الزمان أتي تائبا ... إلي وأنت اعتذار الزمان
و من شعره الذي يزري بزهر الرياض وغنج الأعين المراض قوله:
أيا ممرضا جسمي بأجفانه المرضى ... سلبت الكرى عني فهب منه لي البعضا
ليهنك غمض العين عمن تركته ... سمير نجوم الليل ما يطعم الغمضا
أتسخط من ذلي لعزك في الهوى ... و أرضى بخدي أنْ يكون لكم أرضا
قضى الله أنْ أشقى وغيري بوصلكم ... سعيد ومن يسطيع ردا لمّا يقضى
و مما أغرب به وأبدع قطعة تنفك منها ست قطع وهي:
نفسي الفداء لجؤذر حلو اللمى ... مستحسن بصدوده أضناني
في فيه سمطا جوهر يروي الظما ... لو علني ببروده أحياني
ثم زاد في غرابة هذا المنزع بأن صنع قطعة تنفك منها تسع قطع وهي:
طيف سرى من خاطر القلب الذوي ... فوفى لنا بعداته وقضى الوطر
بذ الكرى عن ناظر الصب الجوي ... و شفى الضنى بهباته ومضى حذر
و قال يصف تينا أسودا مكتبا:
أهلا بتين كالنهود حوالك ... ضمخن مسكا شيب بالكافور
و كأن ما زرت عليه جيوبها ... شهد يشاب بسمسم مقشور
و كأنما لبست لجينا محرقا ... فيه بقايا من بياض معطر (سطور)
و قال يصف حماما:
أرى الحمام موعظة وذكرى ... لكل فتى أريب ذي ذكاء
يذكرنا عذاب ذوي المعاصي ... و أجيانا نعيم الأتقياء
شقا هجر يشوب نعيم وصل ... و حر النار في برد الهواء
إذا ما أرضه التهبت بنار ... تبادر سمكه هطلا بماء
كصدر الصب جاش بما يلاقي ... فلج الطرف منه بالبكاء
كأن له حبيبا بان عنه ... فبان وخانه حسن العزاء
و من شعره المطرب وتغزله المعجب قوله:
أيا قمرا في وجنتيه نعيم ... و بين ضلوعي من هواه جحيم
إلى كم أقاسي منك روعا وقسوة ... و صرما وسقما إنَّ ذا لعظيم
و إني لأنهى النفس عنك تجلدا ... و أزعم أني بالسلو زعيم
فإن خطرت بالقلب ذكراك خطرة ... ظللت بلا لب إليك أهيم
و من مديحه الذي أبدع فيه وأغرب وذهب فيه أحسن مذهب قوله يمدح القادر رحمه الله تعالى :
ضمان على عينيك أني هائم ... تصدع قلبي حول وصلك حائم
فؤادك قاس ليس لي في رحمة ... و يوهم منك اللحظ أنك راحم
ظلمت ولم ترهب مغبة ما جنت ... جفون لها في العاشقين ملاحم
أظن عقاب الله نالك في الهوى ... فخصرك مظلوم وردفك ظالم
و لحظك مضني ما يفيق من الضنى ... كما ضنيت فيك الجسوم النواعم
و خدك بالألحاظ يجرح دائبا ... فكل له باللحظ مدم وكالم
يقولون غصن البان ما حاز خصره ... و دعص النقا ما حاز منه المعاكم
و في طوقه بدر الدجنة طالع ... تجلله قطع من الليل فاحم
و قالوا اللمى المحمر فص عقيقه ... بمبسمه المعسول والثغر خاتم
لك المثل الأعلى وفي الجهل عاذر ... بتقصيرهم إنْ لامهم فيك لائم
و ما أنت إلاّ آية الله في الورى ... و حكمته إنْ قال بالعلم عالم
لقد يخسوك الحق جهلا وأخطأت ... بما رجمت فيك الظنون الرواجم
كما يخسوا يحيى بن ذي النون حقه ... فقالوا ابن سعدي في النوال وحاتم
و قالوا حكى الضرغام في الروع بأسه ... و ذلك ما لا تدعيه الضراغم
و قالوا هو الدهر الذي ليس دونه ... حمى وهو المخدوم والدهر خادم
و أني لليث الغاب في الروع بأسه ... إذا صال في الهيجاء والنقع قاتم
و من أين للسيف الحسام مضاؤه ... إذا انتضيت للحرب منه العزائم
و من أين للمزن الكنهور جوده ... إذا انهملت من راحتيه المكارم
لنا بارق من بشره ليس خلبا ... إذا شامه يوما من الناس شائم
عليه من المأمون يحيى مشابه ... ترى ولإسماعيل فيه مياسم
همامان شادا مجد له التقى ... أساس وأطراف الرماح دعائم
أبا الحسن استنشق ثنائي فإنما ... فؤادي دارين وشعري لطائم
لبست حلي للفضل حائكها التقى ... و معلمها الإفضال والمجد راقم
و أورثك المأمون صارمه الذي ... به لم تزل تفري الطلى والجماجم
فصمم ولا تحجم فإنك صارم ... حسام ومنه في يد الله قائم
لك السرحة الغناء في المجد لم تزل ... تروضها من راحتيك الغمائم
رياض لنا سجع بمدحك وسطها ... كأنا على أفنانهن حمائم
و دونك بكرا من ثنائي زففتها ... إليك كما زف الغوالي الكرائم
كستك بطليوس بها عبقرية ... كما انشق عن زهر الرياض كمائم
و ما أنت ذو فقر لمّا أنا واصف ... و لا أنا ذو إفك بما أنا زاعم
سجاياك تملي الفخر والدهر كاتب ... و علياك تعطي الدر والشعر ناظم
فدم عامرا للمجد تعنو لك العدا ... و تحسدنا فيك النجوم النواجم
قال أبو نصر: هذا ما سمح به خاطر لم تخطر عليه سلوة وذه …
|
|
مصادر
:
|
عياض أبو الفضل بن موسي، الغنية، تحقيق ماهر جرار، بيروت، 1402-1982، رقم 61
الصلة، ابن بشكوال،تـحقي
|
|
|
المجال الزمني
|
|
ولد
:
|
444
|
|
كان حيا
:
|
|
|
كان حيا ق
:
|
|
|
كان حيا ب
:
|
|
|
توفي
:
|
521
|
|
توفي قبل
:
|
|
|
توفي بعد
:
|
|
|
عصره
:
|
542 - 484 المرابطي
|
|
عاصر
:
|
|
|
|
المجال الجغرافي
|
|
أصله من
:
|
|
|
ولد في
:
|
|
|
نشأ في
:
|
|
|
سكن
:
|
بلنسية
|
|
توفي ب
:
|
|
|
دفن ب
:
|
|
|
رحل إلى
:
|
|
|
|
المجال المهني
|
|
مهنه
:
|
|
|
نص المهن
:
|
|
|
|
المجال المعرفي
|
|
مروياته
:
|
يروي عن أخيه و عن أبي بكر بن عاصم البطليوسي و أبي سعيد الوارق و أبي علي الغساني الحافظ و غيرهم.
|
|
تراثه
:
|
و له مصنفات ملاح في شرح أدب الكتاب و شعر المعري، و ألف كتابا كبيرا في شرح الموطأ سماه بالمقتبس كثير الفائدة و كتاب سبب اختلاف الفقهاء و غير ذلك.و من شعره: ( الطويل)
أخو العلم حي خالد بعد موتــــه و أوصاله تحت التراب رميم
و ذو الجهل ميت و هو ماش على الثرى يظن من الأحياء و هو عديم
وألف كتبا حسانا منها : كتاب الاقتضاب في شرح أدب الكتاب وكتاب التنبيه على الأسباب الموجبة لاختلاف الأمة .
|
|
تخصصاته
:
|
شيخ الأدباء في وقته، مقدم في علم النحو و اللغات، و الآداب و الشعر و البلاغة و له شعر حسن جيد الضبط متقن
|
|
قائمة
التخصصات
:
|
|
|
|
المذهب والعقيدة
|
|
نص المذهب
:
|
|
|
مذهب
:
|
|
|
نص العقيدة
:
|
|
|
عقيدة
:
|
|
|
|
المدارسة
|
|
شيوخه
:
|
|
|
تلاميذه
:
|
|
|
|
|